fbpx
بانوراما

من الصحراء إلى الرحامنة

رفقة السلاح والهودج1

ليس للصحراوي مقر فهو دائم الترحال

حلقات المقاوم الصحراوي مولاي أحمد الباز، دليل قاطع على أن الصراع في الصحراء مفتعل. فجميع الصحراويين ومن كل القبائل بايعوا سلاطين المغرب، وانتشروا بالمدن المغربية منذ قرون وترعرعوا فيها وأنجبوا أبناءهم وأنجزوا هويات ووثائق مغربية، وعند دخول الاستعمار، حملوا السلاح ضد الاستعمار الفرنسي وضحوا بالغالي والنفيس من أجل استقلال الوطن. لكن رغم هذه التضحيات عانى بعضهم الغبن والتهميش، ورغم الحيف، تمسك أغلبهم بوطنيته وساهم بشكل فعال في الدفاع عن الصحراء بشراسة، كما الأمر لصاحب هذه الحلقات، في حين أغري القلة بمناصب في دولة وهمية وفضلوا الاستقرار بين رمال تندوف.

في 1938 رأيت النور بخيمة نصبت بالصحاري المجاورة للعيون، لا أتذكر جيدا تلك المرحلة، بسبب كثرة الترحال، والذي انتهى بنا بمنطقة سيدي بودربالة ضواحي مكناس، حيث كان يستقر ابن عم والدتي.
كان يشرف على أعمال بناء الطرق وتسيير ضيعات الفرنسيين بالمنطقة، فوفر لنا منزلا متواضعا، وفرص عمل لوالدي ووالدتي، التي ستفارق الحياة سنة بعد ذلك وتدفن هناك.
كما يعلم الجميع ليس للصحراوي مقر، فهو دائم الترحال،  حتى الأغنياء منهم، يقصدون المدن الكبيرة بالصحراء من قبيل العيون والسمارة أو الداخلة، ينصبون خياما كبيرة،  ويسهرون على رعي الإبل، قبل أن يغادروا بعد أشهر إلى منطقة أخرى، غالبا ما تكون الرحلة من صحراء المغرب إلى حدود موريتانيا والجزائر.
للصحراوي عدة جنسيات، إذا حل بموريتانيا، يحصل على وثائق هذا البلد، وإذا انتقل إلى تندوف صار جزائريا، وإذا عاد إلى المغرب وقتها يكون مغربيا وإسبانيا وفرنسيا.
ما زلت أتذكر وفاة والدتي، رغم أن سني لا تتجاوز أربع سنوات، وقتها كنت ألعب في الطين، فحملتني أختي الكبرى غير الشقيقة، ووضعتني على ظهرها، وظلت تصرخ “لمن خليتي ليا هادو” في إشارة إلي وشقيقي الأكبر.
أشرفت على تربيتنا جدتي وأختي الكبرى، بعدها بستة أشهر، هاجر والدي إلى منطقة الرحامنة حيث يقطن خاله، عرض عليه العمل راعيا ولما قبل الأمر، اقترح عليه إحضارنا من مكناس، إلا أن والدي تعذر عليه ذلك، فتطوع خاله لهذه المهمة.  بعد أيام من استقرارنا بالرحامنة، تزوج والدي لكنه فارق الحياة بعدها بسنة.
تكفل خال والدي برعايتي وشقيقي، في حين تزوجت شقيقتي الكبرى، بقريب لنا بالبيضاء. خلال إحدى زياراتها لنا بالرحامنة، لم يتقبل شقيقي البقاء وحيدا،  فاستغل رعيه للأغنام والتحق بشقيقتي وزوجها بمحطمة القطار، وألح على مرافقتهما إلى البيضاء، فاستجابا لطلبه.
لم تتقبل العائلة الأمر، وتم اتهام شقيقتي أنها خططت لـ”تهريبنا” للعيش معها بالبيضاء، لدرجة أن خال والدي حذرني من تكرار ما قام به شقيقي.

الرحيل

كلفت برعي الغنم والأبقار، كان الوضع مزريا، أتذكر أني كنت حافي القدمين. بعد أن بلغت من العمر 14 سنة، وبحكم معاملة خال والدي لي الجيدة، دب الخوف في أبنائه من أن يفوت لي نصيبا من الإرث، رغم أنه ما زال على قيد الحياة،  فابتكروا حيلة ذكية، وهي تسليمي أجرة عن مهمة الرعي، ففي السنة الأولى منحوني 150 ريالا، ووعدوا بتسليمي 300 ريال في السنة المقبلة، وفي السنة الثالثة، تم رفع أجرتي من جديد إلى 600 ريال، استغللت المبلغ في شراء شاة وعجل، أعدت بيعهما بثمن مرتفع، ورحلت إلى البيضاء.
مصطفى لطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى