fbpx
افتتاحية

كازا نيكرا

لا شيء يتحرك بعاصمة المال والاقتصاد غير اقتناص الفرص وترصد الصفقات العمومية التي تسيل اللعاب، ويمر كثير منها من تحت الموائد إلى الشركات “المحظوظة” داخل وخارج المغرب ضمن شبكة شبه منظمة للسمسرة والوساطة والاستفادة من العمولات.
وبمرور الأيام، تزداد الأمور صعوبة بالمدينة الميتروبولية، التي تضخ فيها الدولة إمكانيات مالية ضخمة تتجاوز 3600 مليار سنتيم منذ خمس سنوات، دون أن يظهر في الأفق أن ما اتفق عليه في 2014 سيرى النور بالشكل الذي خطط له لتعزيز تنافسية المدينة ودعم جاذبيتها الوطنية والإقليمية والدولية، وتحسين بنياتها التحتية (خصوصا قطاع النقل والطرقات).
ومنذ أكثر من أربع سنوات، تفتح المدينة أحشاءها دون طائل. فأينما تولي وجهك، ثمة رافعات وشاحنات وعمال وحواجز ومنحرفات طرق وآلات بناء وأكوام أتربة و”مشاريع” أنفاق وطرق وممرات وقناطر بدأت كي لا تنتهي إلى الأبد، أو تنتهي وتدخل حيز التنفيذ دون أثر ملموس على عيش السكان.
وتخترق هذه الأوراش جميع مفاصل المدينة من جنوبها إلى شمالها، وشرقها إلى غربها، في غياب نظام قار للتواصل مع المواطنين وإخبارهم بأجندة بدء العمل وتاريخ الانتهاء منه، ووضع البيضاويين في صورة ما يجري بمدينتهم باستمـرار.
ولأن الأمر يخضع لمنطق العشوائية من البدء إلى النهاية، كان على مستعملي المحاور الكبرى، مثلا، أن يقرؤوا خبر افتتاح قنطرة سيدي معروف (واحدة من أكبر المشاريع المهيكلة) في موقع إلكتروني من الدرجة الثالثة !!، كما لا يعرفون، إلى حد الآن، متى ينطلق العمل بمسرح البيضاء الكبير؟ أو متى تفتح حركة المرور بشارع الموحدين؟ أو متى تنتهي الأشغال بشاطئ عين الذئاب؟
أما الأوراش الأخرى، المدرجة في إطار المشاريع المهيكلة الكبرى للبيضاء، فقد تجاوزت مدة الإنجاز الملتزم بها في دفاتر التحملات وطلبات العروض والعقود المبرمة مع الشركات والمقاولات، في إطار صفقات عمومية تفرض على هيآت المراقبة الرسمية ولجان التفتيش والمجلس الأعلى للحسابات إخضاعها إلى الافتحاص.
والطامة الكبرى أن أغلب هذه المشاريع، التي تتكلف بـ90 في المائة منها شركة البيضاء للتهيئة، تجري خارج رقابة منتخبي المدينة أنفسهم، الذين لا يعرفون كيف تدبر هذه الشركة، ومتى تنظم جموعها العامة ومجالس إدارتها، ولمن تقدم بياناتها وحساباتها، ولمن توجه محاضرها وتقاريرها، علما أن الشركة المؤسسة منذ 2014، لم تدخل بيت الطاعة ك”شركة للتنمية المحلية” إلا في دورة فبراير 2019، ما يطرح أكثر من علامة استفهام حول الجهات التي توفر الحماية لها؟
والواقع أن منتخبي المدينة هم آخر من يعلم بمدينة من المفروض أن السكان حملوهم أمانة تسييرها في الانتخابات الجماعية السابقة، لكنهم اختاروا الحل السهل، أي الرجوع خطوة إلى الوراء، ورهن حاضر ومستقبل البيضاء في يد شركات تتكلف اليوم بتدبير اختصاصات خالصة للجماعة (النظافة والمطرح العمومي، والأسواق، والخدمات الصحية، والتراث، والتنشيط والتظاهرات، ومواقف السيارات)، في انتظار استكمال مخطط تفويت الدفعة الثانية من الاختصاصات، مثل تدبير الموارد والمداخيل وأسواق الخضر والفواكه والتوابل والحبوب والدجاج والمجازر.
ويستفيد جميع الأطراف من حصتهم من الكعكة: الشركات باستحواذها على المشاريع الكبرى والصفقات العمومية، والمنتخبون بتهافتهم على مشاريع “التقرب” الانتخابي، والسلطة بضبط إيقاع مدينة وجدت دائما على حافة التوتر.
فمن سنحاسب غدا حين يأتي وقت الحساب؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى