fbpx
حوادثمقالات الرأي

العمل القضائي والإدارة القضائية

القاضي الدستوري قصد منع الكاتب العام بصفته تلك من ممارسة مهام كتابة الضبط (3/3)

أقر القاضي الدستوري واعترف بصريح العبارة وحدد الخيط الناظم بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، واعتبر أن المعنيين بالإدارة القضائية من داخل السلطة القضائية هم المسؤولون القضائيون دون سواهم من القضاة سواء كانوا قضاة أحكام أو قضاة نيابة عامة، وعليه فإن الإدارة القضائية تبقى خاضعة لسلطة ومراقبة الوزير المكلف بالعدل وتعمل تحت إشراف المسؤولين القضائيين. وهو ما أكدته نهاية حيثية القرار المتعلقة بمناقشة دستورية مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 19 والفقرة الأولى من المادة 23 بما يلي :” وحيث إنه، تبعا لذلك، فإن إسناد مُباشرة المهام الإدارية والمالية للإدارة القضائية للكاتب العام للمحكمة، الموضوع تحت سلطة ومراقبة الوزير المكلف بالعدل وتحت إشراف المسؤولين القضائيين، ليس فيه ما يمس باستقلالية السلطة القضائية”.
بيد أنه وخروجا عن هذه القاعدة، فقد منعت حيثية أخرى تلي هذه الحيثية ” حيثيته رقم 22 التي عالج فيها رسالة الإحالة من حيث الموضوع (الصفحة 8 من القرار ) بمناسبة مناقشته لمقتضيات المواد 7 (الفقرة الأولى) و19 (الفقرة الأولى والثانية)، و23 (الفقرتين الثالثة والرابعة)، الكاتب العام للمحكمة، الذي يعين من بَين أطر كتابة الضبط، من أن يُباشر مهام كتابة الضبط، إذ أن خضوعه بهذه الصفة لسلطة ومراقبة الوزير المكلف بالعدل، ستجعل من أحد أعضاء كتابة الضبط، في أدائه لعمل ذي طبيعة قضائية، موضوعا تحت سلطة ومراقبة السلطة التنفيذية وليس السلطة القضائية، وهو ما يشكل مسا باستقلال السلطة القضائية وانتهاكا لمبدأ فصل السلط، ولذلك اشترطت في حالة ممارسة الكاتب العام لهذه المهام خضوعه لسلطة ومراقبة المسؤول القضائي خلال مزاولة تلك المهام، وإلا اعتبر ذلك مخالفا للدستور.
ومن هنا، نكون أمام حالتين: إما أن ينأى الكاتب العام للمحكمة بنفسه عن ممارسة مهام هيأة كتابة الضبط شبه القضائية، وهنا تكون مهامه المحصورة في الجانب الإداري والمالي “الإدارة القضائية” مطابقة لخضوعه لسلطة ومراقبة وزير العدل وإشراف المسؤول القضائي، وإما أن يتمسك بممارسة هذه المهام حيث نكون أمام نوعين من السلط اللذين يخضع لهما الكاتب العام: سلطة وزير العدل فيما يتعلق بما هو إداري ومالي محض “الإدارة القضائية”، وسلطة المسؤول القضائي فيما يتعلق بالمهام شبه القضائية.
وبصيغة أخرى فالمشرع ملزم: إما بحذف مقتضيات الفقرة الثالثة والأخيرة من المادة 23 من مشروع قانون التنظيم القضائي رقم 38.15، وإما بإضافة ما يفيد خضوع الكاتب العام لسلطة المسؤول القضائي عند ممارسته لمهام شبه قضائية.
ويطرح هذا الاستثناء، الذي جاء به القاضي الدستوري في منع الكاتب العام من ممارسة مهام كتابة الضبط بسبب خضوعه لسلطة وزير العدل، مما يشكل مسا باستقلال السلطة القضائية وانتهاكا لمبدأ فصل السلط، إشكالا محوريا لم ينتبه إليه القاضي الدستوري، ذلك أن موظفي هيأة كتابة الضبط يعتبرون هم الآخرون خاضعين لسلطة ومراقبة وزير العدل وفق أحكام الفقرة الثانية من المادة 19 من مشروع قانون التنظيم القضائي، فهل ممارستهم لمهام كتابة الضبط تشكل مسا باستقلال السلطة القضائية؟
لم يجب القاضي الدستوري عن هذا الإشكال، واكتفى بالإشارة في منطوق القرار “الفقرة الثالثة من المنطوق” إلى أن مواد مشروع قانون التنظيم القضائي بما فيها المادة 19 (الفقرة الثانية) ليست مخالفة للدستور مع مراعاة التفسيرات المقدمة بشأنها، وهو الأمر الذي يزكي طرحنا السابق بشأن المهام شبه القضائية التي يمارسها موظفو هيأة كتابة الضبط، والتي تبقى مندرجة في الإدارة القضائية وخاضعة لإشراف المسؤولين القضائيين وليس لسلطتهم المباشرة.
إذن، فالظاهر أن القاضي الدستوري قصد منع الكاتب العام بصفته تلك من ممارسة مهام كتابة الضبط، باعتباره امتدادا طبيعيا لسلطة الوزير المكلف بالعدل، وممثله داخل المحكمة، وسعى بذلك إلى ضمان استقلالية القضاء والحد من كل تأثير قد يمارس عليه.
وخروجا عن نقاش العمل القضائي والعمل الإداري والمالي “الإدارة القضائية”، فقد اعتبرت المحكمة الدستورية لمناسبة مناقشتها لعمل كتابة النيابة العامة أن عدم مراعاة طبيعة عملها في تنظيم كتابة الضبط في هيأة واحدة مخالف للدستور، وقد بنت المحكمة الدستورية موقفها على خصوصية عمل موظفي النيابة العامة المستمدة من خصوصية مؤسسة النيابة العامة من جهة، ومن ضمان حسن تنفيذ السياسة الجنائية وحسن سير النيابة العامة من جهة أخرى.
وعليه، فإنه يمكن أن نسلم ضمنيا من خلال ما سلف – وخروجا عن القاعدة العامة – المتعلقة بعمل هيأة كتابة الضبط، بفرضيتين اثنتين لا ثالث لها:
– فرضية أولى وهي الأقرب إلى الواقع وأكثر عملية، وهي بتبعية موظفي كتابة النيابة العامة لسلطة ومراقبة وزير العدل – الكاتب العام للمحكمة – في الجانب الإداري والمالي باعتبار وزير العدل صاحب التسمية والآمر بالصرف والمشرف على الوضعية الإدارية الفردية لموظفي النيابة العامة على صعيد المحاكم، ولسلطة ومراقبة وكيل الملك والوكيل العام للملك في الشق المتعلق بحسن سير عمل النيابة العامة وتتبع مساطرها وإجراءاتها ذات الطابع القضائي، مع ضرورة الإبقاء على مصلحة النيابة العامة ضمن الهيكلة الجديدة المرتقبة للمحاكم كمصلحة مستقلة إلى جانب باقي مصالح المحكمة.
– فرضية ثانية، تعتبر صعبة التنزيل وتؤدي إلى الإضرار بالموارد البشرية للإدارة القضائية، وقد تثير تضاربا في الأنظمة الأساسية لهذه الموارد، وهي انفراد موظفي كتابة النيابة على غرار موظفي المجلس الأعلى للسلطة القضائي وموظفي رئاسة النيابة العامة، بنظام خاص بهم من حيث الصلاحيات والمهام التي يضطلعون بها، ومن حيث التحفيزات المادية، ومن حيث سلطة الرقابة والتفتيش، وهو ما يستوجب تدبير وضعياتهم الفردية موظفين خاضعين لرئاسة النيابة العامة، ومستقلين عن باقي موظفي هيأة كتابة الضبط.
على أنه وفي ظل قرار المحكمة الدستورية، فإن الفرضية الأولى تبقى هي الأقرب إلى الواقع، ويبقى الرهان معقودا على الهيأة المشتركة المنصوص عليها في المادة 54 من القانون التنظيمي للسلطة القضائية وعلى لجان التنسيق التي ستحدث بالمحاكم، من أجل تجاوز كل تضارب أو تجاذب أو تنازع للسلطة قد ينشأ لمناسبة ممارسة موظفي النيابة العامة على صعيد المحاكم مهامهم، سواء منها الإدارية أو شبه القضائية.
* الكاتب العام للهيأة الوطنية للمسؤولين الإداريين لوزارة العدل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى