fbpx
خاص

بوسكورة … قرية حضرية

عرفت ثورة عمرانية وصناعية و راحت ضحية غياب تخطيط وتسيير “ستاليني” للرئيس

شهدت بوسكورة في السنوات العشر الأخيرة ثورة عمرانية، غير مسبوقة، جعلتها من أهم الجماعات الحضرية بجهة البيضاء، بعد أن كانت في السابق جماعة قروية صغيرة.
تحولت هذه المنطقة إلى قبلة للبيضاويين الفارين من ضغوط العاصمة الاقتصادية، وأيضا مشتل للهجرة القروية من أغلب مناطق المغرب، والنتيجة، ارتفاع صاروخي لعدد السكان، إذ بعد أن كان عددهم لا يتجاوز 10 آلاف نسمة في بداية 2000، قفز هذا الرقم إلى أزيد من 60 ألف نسمة حسب إحصاء 2004، إلا أن الملاحظ أن هذه الثورة العمرانية، واكبها خلل في طريقة تدبير الشأن العام المحلي وإكراهات تتجاوز قدرات الجماعة، ما تسبب في شلل وخلل في الخدمات وتشوه عمراني أساء لها.

إنجاز : مصطفى لطفي تصوير: (عبد الحق خليفة)

كانت بوسكورة في السابق تابعة لعمالة الحي الحسني عين الشق، لتنتمي حاليا إلى عمالة النواصر. تبلغ مساحتها أزيد من 14 ألف هكتار تقريبا. في عهد الحماية الفرنسية كان لها وضع اعتباري خاص من قبل المعمرين، إذ استفادوا من أرضيها الفلاحية، وساهموا في بناء منشآت عمرانية جعلتها من أرقى المدن في تلك الحقبة، وما زال سكانها ينظرون إلى تلك الأطلال بكل حسرة.
لقبت بوسكورة تارة  بـ»الوردة البيضاء» في إشارة إلى نظافة المدينة وهوائها النقي، وتارة أخرى بمدينة «التوت» بعد أن زرع المعمرون أزيد من مليون شجرة توت بالمدينة، ما أعطاها رونقا متميزا، لكن مع بداية الثورة العمرانية، جردت المدينة من هذه الأشجار، وداست عليها الجرافات وآلات البناء الكبيرة.

عاصمة العشوائي

تحولت بوسكورة في رمشة عين من مدينة يفتخر بها المغرب، بمرافقها الاستعمارية الراقية من قبيل المدرسة الأوربية بمركز بوسكورة، ومطاعم مصنفة، وحديقة حيوان فخمة ومحطة للقطار، ومرقص ليلي (لاص فيغاس) ومراحيض عمومية بأغلب شوارعها، إلى «وكر» للعشوائي، والفظيع بأسماء أساءت وما زالت تسيء لتاريخ المدينة، من قبيل دوار «القرودة» ودوار «الصكوعة»، في حين تدارك بعض المسؤولين هذه الهفوة، وحصروا أسماء دواوير على المناطق التي هاجر منها السكان، فنجد فمثلا دواوير «دكالة» و»الشلوح» و»أولاد سعيد» و»الرحمانة»، دون إغفال دواوير أخرى تحمل أسماء مستشارين جماعيين تورطوا في البناء العشوائي.

بالنسبة إلى محفوظ غزلان، محام بهيأة البيضاء ومستشار سابق بالجماعة، هذه الظاهرة تقلصت بنسبة كبيرة منذ 2013، رغم أن آثارها ما زالت واضحة للعيان، وعزا انتشار العشوائي إلى تأخر السلطات في إصدار تصاميم تهيئة المدينة منذ أواسط التسعينات من القرن الماضي، ما استغلته جهات وملاك الأراضي في تجزيء أراض فلاحية، وبيعها للراغبين في السكن،  لكن منذ أن رخصت الدولة للمنعشين لبناء إقامات سكنية، يضيف المستشار السابق، توقف البناء العشوائي بنسبة 80 في المائة.
تشكل الأحياء العشوائية أكبر إشكال تواجهه جماعة بوسكورة، بسبب غياب بنيات تحتية والظروف المزرية للقاطنين فيها، قبل أن يدخل الملك على الخط عبر إعلانه مشروعا ملكيا في 2014، هدفه إعادة تأهيل هذه الأحياء بتزويدها بالماء وقنوات الواد الحار وتبليط شوارعها.

عقدت شراكات مع شركة «ليدك» صاحبة التدبير المفوض للماء والكهرباء بالبيضاء، من أجل إنجاز قنوات الواد الحار، في حين تتولى شركة العمران تبليط الأزقة والشوارع، لكن هذا المشروع توقف بعد إنجاز 50 في المائة منه. عزا مستشار بالجماعة الأمر إلى أن شركة «ليدك» ادعت أنها لا تتوفر على السيولة المالية لإتمام ما تبقى من ربط باقي الدواوير بشبكة الواد الحار، لكن في الوقت نفسه أصرت على تزويد السكان بالماء الصالح للشرب، رغم أنهم انخرطوا منذ سنوات في جمعية لتوزيع الماء.
أمام هذا الوضع وجد السكان، وحتى قاطنو الفيلات الفخمة،  أنفسهم مضطرين إلى الاستعانة بالحفر من أجل تصريف الواد الحار، والنتيجة كارثة تهددهم في أي لحظة، علق عليها المستشار المذكور بالقول : «شي نهار إريب حي كامل بسبب هذه الحفر».

“ستالينية” الرئيس

اتصلت «الصباح» بطه بوشعيب، رئيس المجلس الجماعي لبوسكورة، المنتمي إلى الاتحاد الدستوري، من أجل إبداء وجهة نظره في إنجازاته وتجربته على رأس الجماعة والإشكالات التي تعيقها، لضمان نوع من التوزان مع تصريحات المعارضة. كانت أول ملاحظات الرئيس خلال الاتصال الهاتفي أنه لا توجد معارضة، فالجميع يصوت على جدول أعمال الدورات، لأنها تضم مشاريع هامة. وحدد مع «الصباح» موعدا في مناسبتين، وتخلف عن الحضور.

ووجهت انتقادات إلى رئيس المجلس الجماعي حتى من مقربين منه، فهو الآمر الناهي بالجماعة، يسيرها بقبضة «ستالينية»، والدليل أنه احتكر جميع الاختصاصات دون تفويضها لنوابه. يخطط وينفذ دون استشارة أعضاء المكتب، لدرجة أن مستشارا بالمكتب المذكور، رفض الكشف عن اسمه، قال لـ»الصباح» «أنا والله ما عارف أش كيوقع في الجماعة».
حمل بعض الغاضبين من طريقة تسيير الرئيس، نمط الاقتراع باللائحة مسؤولية الأداء السلبي للمجالس الجماعية بالمغرب، إذ حسب قولهم أن هذا النمط الانتخابي، سمح لأشخاص غير مشهود لهم بالكفاءة، بولوج المجالس الجماعية، ولعب دور كبير في التأثير في تحويل مسار منصب الرئيس، وبعدها يختفون عن الأنظار، تاركينه يتصرف بشكل فردي في كل القرارات.

على نقيض نمط الاقتراع الأحادي الذي يضمن بشكل كبير وصول رجالات المنطقة وأعيانها وكفاءاتها إلى المجلس، والدليل حسب قولهم، إن المجالس الجماعية قبل تفعيل نمط اللائحة كانت تضم كبار رجال السياسة.

إذن لم تخرج جماعة بوسكورة عن هذا الاستثناء، لكن بعض الغاضبين من طريقة تسيير الرئيس، شددوا على أن هناك نقطا تحسب له، من بينها إشرافه على مشاريع كبرى بعضها تحقق، وآخر في طور الانجاز.

من بين أهم المشاريع التي أشرفت عليها جماعة بوسكورة، بناء قنطرتين على خط السكة الحديدية، والذي قسم المدينة إلى بوسكورة الشمالية والجنوبية.
رغم الانتقادات التي وجهت للجماعة بعد بناء القنطرتين لعيوب في هندستهما، وضرورة قطع مسافة طويلة من أجل عبورهما، إلا أن مصادر حملت المسؤولية للمكتب الوطني للسكك الحديدية، إذ اشترط أن يقوم بإنجاز دراسة للمشروع والبناء بشكل فردي، وأن تتكلف الجماعة بالتمويل، وهو ما قامت به دون تردد، إذ وضعت رهن إشارة المكتب كل الإمكانيات المالية.

حــي صـنـاعــي

تفتخر بوسكورة بوجود حي صناعي نجح في استقطاب العشرات من الشركات الكبرى، لكن وجدت الجماعة نفسها محرومة من الاستفادة من الضرائب على الشركات، إذ تبين أن أغلب هذه الشركات بالمنطقة ما زالت تحتفظ بمقراتها الرئيسية بالبيضاء، باستثناء عدد قليل منها، أغلبها مصنف ضمن المقاولات الصغرى.

هذا المعطى، دفع الجماعة إلى البحث عن مدخول آخر لتعزيز الميزانية، فأتى الفرج من الضرائب على السكن، بحكم أن المنطقة شهدت مشاريع عقارية عديدة، لكن ما زالت مداخيلها ضعيفة ولا تحقق المطلوب، وإن كان الجميع متفائلا أنها ستساهم بشكل كبير في إنعاش ميزانية الجماعة، عندما تتحول بوسكورة إلى قبلة للفارين من ضوضاء البيضاء، ويكثر الطلب على الشقق فيها.

صحيح أن المنطقة الصناعية فتحت آفاقا كبيرة في فرص الشغل لسكان المنطقة والبيضاء والنواحي، إلا أن أكبر إشكال يصادفه المستخدمون، غياب وقلة وسائل النقل، إذ يبقى الرهان على سيارات الأجرة الكبيرة وعدد محدود من الحافلات التابعة لنقل المدينة ومحطة القطار. كل هذه الوسائل لا تفي بالغرض، ويظل الاكتظاظ والتأخر عن أوقات العمل السمة البارزة. والمثير أنه حتى إذا كان المستخدم يتوفر على سيارة خاصة، إلا أنه يجد نفسه في ورطة، سواء للقدوم إلى بوسكورة أو مغادرتها، فالطريق الوحيدة تمر وسط المدينة. ما يتسبب في عرقلة للسير، وغالبا ما تجد عناصر الدرك الملكي نفسها في ورطة لتصحيح هذا الخلل، لهذا طالب فاعلون من الجماعة بتعبيد طرق جديدة تربط بوسكورة بالبيضاء والنواحي تبعد بعيدا عن المجال الحضري، لضمان سلاسة في السير.

قطاع الصحة …البؤس

أول ما يثير زوار بوسكورة غياب مستشفى كبير وبالمواصفات الحديثة حتى يستجيب لهذا الكم الهائل من السكان، فأغلبهم يستنجد بمستشفيات البيضاء من أجل العلاج، وهو ما يثير حفيظة السكان ويطرحون سؤالا وجيها إلى متى هذا الوضع؟
ويعترف مستشار أن هناك تقصيرا في المجال الصحي، لكن هذا الوضع لن يستمر طويلا، بحكم أن الجماعة أشرفت على مشروع بناء مستشفى إقليمي بالمدينة، بمواصفات عالية وحديثة وهو على وشك الانتهاء.

بني هذا المستشفى على عقار مجاور لمقر عمالة إقليم النواصر، كأنها رسالة ضمنية أن العامل الجديد من يشرف على رعايته ومراقبته، بحكم حساسية وأهمية هذا المرفق.
وتحدثت مصادر من المجلس الجماعي لبوسكورة عن تقصير من وزارة الصحة، والدليل حسب قولهم أن الجماعة تمكنت من بناء دار للولادة بمنطقة «المكانسة» التابعة للمنطقة، بمواصفات عصرية، لكن هذا المرفق مازال مغلقا والسبب عدم تعيين الوزارة لأطباء وممرضين للعمل فيه. وكشفت هذه الفعاليات أن الوزارة بررت الأمر أن الجماعة أهملت توقيع اتفاقية شراكة معها، وبالتالي فهذا المركز لا يعنيها، رغم أنه سيقدم خدمات مهمة لسكان المنطقة.

سوق وأوحال

رغم مظاهر العصرنة التي تميز بوسكورة، إلا أنها تظل الشجرة التي تخفي الغابة، فخلف الشقق الراقية تنتشر العشرات من المنازل العشوائية، تفتقد لتجهيزات في البنية التحتية، وعلى الخصوص التطهير السائل والنتيجة تحول بوسكورة إلى برك مائية بسبب تسربات المياه العادمة في مشاهد مقززة، و يزداد الوضع سوءا خلال التساقطات المطرية.
إلى جانب الأوحال، فشل المجلس الجماعي في القضاء على الأزبال، اللهم في مناطق محددة وراقية. ويبقى فضاء السوق الأسبوعي فضيحة إيكولوجية بامتياز، خصوصا بعد نقل مكانه إلى وسط المدينة، إذ تنتشر الأزبال في كل الفضاءات المحيطة به، والمثير أنها مجاورة لشركات كبرى، مع انتشار روائح كريهة بسبب تخصيص فضاءات فيه لذبح المواشي في ظروف غير صحية، تمتزج فيها دماء المواشي مع بقايا برك آسنة، ما يهدد بانتشار أمراض وأوبئة خطيرة.

ويزداد  الوضع سوءا عندما يحتل السوق من قبل العشرات من الكلاب الضالة، إذ رغم نداءات المواطنين واستنجادهم بمسؤولي الجماعة خوفا من تفشي مرض السعار، إلا أن الكلاب ما زالت تفرض قانونها على الجميع.
أمام هذا الوضع طالب محفوظ غزلان المستشار السابق بإلغاء السوق الأسبوعي بحكم أن بوسكورة لم تعد جماعة قروية، وأن تحولها الجذري إلى جماعة حضرية يستلزم بناء أسواق نموذجية بمعايير حديثة حتى تتماشى مع شعار عصرنة المدينة الذي رفعه مجلس الجماعي، وبالتالي القطع مع أي سلوكات ستسيء إلى المدينة.

خصاص في المدارس

من أكبر الانتقادات التي توجه للمسؤولين ببوسكورة، عجزهم عن وضع حلول للمشاكل الجمة، التي يعاينها التلاميذ بكل مستوياتهم ومسؤولي المؤسسات التعليمية. وتعاني المؤسسات التعليمية تكدسا واكتظاظا، فالمنطقة تتوفر فقط على ثلاث ثانويات، وأربع إعداديات، وبعض المدارس الابتدائية المتهالكة والآيلة للسقوط ،أغلبها يعود إلى الحقبة الاستعمارية. كما يعاني تلاميذ المدينة خصاصا كبيرا في طاقم التدريس، إضافة إلى سيارات النقل المدرسي، خصوصا الذين يقطنون في دواوير بعيدة، إذ رغم استعطافهم المسؤولين، لم يتحقق حلمهم. ووجهت اتهامات لمستشارين بتأسيس جمعيات متخصصة في النقل المدرسي، اقتنت سيارات كبيرة الحجم وحصرت خدماتها على كتلتها الانتخابية، في حين فرضت أثمنة شهرية مبالغا فيها على باقي التلاميذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى