fbpx
حوادث

جمعية هيآت المحامين وتحديات المرحلة

المؤتمر الثلاثون فرصة لتعرية المشاكل التي أصبحت عليها المهنة (2/2)

بقلم: ذ/جـلال الطاهـر *

إن المتتبع للتطورات في التشريع المغربي بما في ذلك الدستور، والتحولات السياسية، بما فيها تطوير الممارسة الديمقراطية والتعددية الحزبية، والانفتاح على التعبيرات المعارضة، سيلاحظ آثار المطالب التي دأبت جمعية هيآت المحامين بالمغرب، على المطالبة بها، تجاوباً مع القضايا الكبرى للأمة المغربية، في كل مراحل تحولات طبيعة هذه القضايا، حسب كل مرحلة من مراحل الحياة السياسية والاجتماعية المغربية، حيث يمكن القول بأنها شكلت، حقوقيا ( حزبا) للشعب المغربي، خاصة، إبان فترة سوداء من تاريخ المجتمع المغربي، وهي فترة ما يطلق عليها سنوات الجمر والرصاص، حيث كانت مواقف جمعية هيآت المحامين، تتجاوب مع تطلعات المغاربة إلى بناء مغرب الاستقلال بمعناه الحقيقي، وفاء لمضامين وثيقة المطالبة بالاستقلال، التي قدمتها الحركة الوطنية بتاريخ 11 يناير1944، وسارت على هديها الأحزاب الوطنية بعد ذلك .
ويكفي للتذكير فقط، بما قامت به الجمعية خلال تاريخها الحقوقي الشامل، وفي مقدمتها قضايا الحريات، والممارسة الديمقراطية، كما جعلت في جدول أعمالها إزالة آثار التشريعات الناتجة عن مخلفات فترة الحماية الفرنسية، كقانوني 1935-1939، اللذين عرفا بقانون كل ما من شأنه الذي وضع للمحاكمة على مجرد الشبهة، كما طالبت الجمعية بإلغاء دورية وزارة الداخلية، التي كانت تمنع الأحزاب السياسية والجمعيات من استعمال القاعات العمومية .
وبصفة عامة، فإن مواقف الجمعية، كانت حاضرة في القضايا الوطنية بصفة عامة، ولم تقتصر مواقفها على التنديد والإدانة، لبعض القرارات، أو المحاكمات، أو التجاوزات التي ترتكبها مؤسسات الدولة، في بعض المجالات، بل إنها طالبت وشاركت بصفة مباشرة أو غير مباشرة في العمل الحقوقي، الذي يرمي إلى دمقرطة الدولة، وذلك عن طريق سن دستور ديمقراطي، لأن المطلب الديمقراطي كان أهم مطلب تضمنته وثيقة المطالبة بالاستقلال، وأهم بنود الديمقراطية هو فصل السلط، بالنص الدستوري، والتطبيق الفعلي لهذا الفصل، حيث ركزت الجمعية وطيلة عشرات السنين من حياتها على استقلال القضاء، إلى أن حقق دستور2011 هذا المطلب دستورياً ومؤسسياً .
إن التذكير بهذه المواقف التاريخية الشجاعة ليس فقط، للتفاخر أو تمجيد الذات، بل إنه يبرز ثقل الأمانة التي وضعها سلف المحامين بالأمس على خلفهم اليوم، الذين عليهم قراءة هذه السيرة وتلك المواقف للاستنارة بها، في تحمل المسؤولية التي تفرض من جملة ما تفرض على المحامين عامة وقياداتهم المهنية خاصة، أن تبدع في وضع الحلول في حدود الإمكانيات المتاحة….، ورفع المطالب الكثيرة التي تستجيب لتطلعات المحامين في هذه المرحلة الراهنة، التي تختلف عن المراحل السابقة التي كانت المحاماة تعيش نوعاً من الرغد في العيش نتيجة قلة عدد المحامين، وتوفير إمكانيات العمل وبساطة تكاليف الحياة، بما فيها تكاليف الممارسة المهنية، بخلاف اليوم، الذي يعيش فيه المحامون وضعا صعبا جدا، وخاصة الشباب منهم، الذين يلجون المهنة مكرهين – أحيانا– نتيجة انسداد آفاق عمل خريجي كليات الحقوق، ومن حق هؤلاء على قادة مهنة المحاماة محلياً ووطنياً، أن يتحملوا مسؤولية عرض وثيقة مطلبية شاملة لقضايا مهنة المحاماة في الوقت الراهن على الدولة بكل مؤسساتها لفتح حوار جاد وملموس لقضايا المحامين، التي تحملها الوثيقة المطلبية ووضع جدول زمني للتنفيذ، هذا إذا أراد هؤلاء المسؤولون المهنيون أن يظلوا جديرين بصفة التمثيل والقيادة وثقة القواعد المهنية، وإلا فإن المستقبل مظلم، وردود الفعل غير مأمونة، وانفصال القواعد عن القيادة واردة، بحكم ثقل الواقع الذي تعيشه المحاماة اليوم .
وقراءة واقع النقابات العمالية وفي مقدمتها المركزية النقابية، تبرز إلى أي أحد أصبحت القواعد العمالية تبتكر وسائل الدفاع عن نفسها عن طريق تنظيمات جديدة (تنسيقيات) تحت تأثير حدة المشاكل، التي ربما اعتبرت هذه التعبيرات أن العمل النقابي (التقليدي) لم يعد فعالا بالقدر الكافي الذي يقنعها بالاستمرار في انتظار الحوار مع الحكومة بالوسائل (التقليدية).
إن المؤتمر الثلاثين لجمعية هيآت المحامين بالمغرب، هو ربما فرصة ثمينة، وقد تكون الأخيرة لعرض ولم لا، تعرية واقع المشاكل التي أصبحت عليها مهنة المحامين، والمحامون أنفسهم، والتي يضيق المجال لبسطها وتشريحها، وربما لأن من يعنيهم أمرها، يعرفونها حق المعرفة، والواقع اليومي يكشف عن مظاهرها الكارثية .
فإذا عبرت نتائج المؤتمر الثلاثين بصدق ومسؤولية عن هذه الحقائق التي يعيشها المحامي اليوم، مادياً واجتماعياً وأخلاقياً وصحياً وقيمياً، فإن ذلك يبرز تسميته بمؤتمر، وإذا اقتصرت أشغاله على عرض البحوث النظرية، والانتقادات الأكاديمية للتشريع على أهمية ذلك، فإن هذا المؤتمر لن يكون جديراً بهذا الاسم، وسيكون مجرد نزهة سياحية غير سعيدة، وغير ضرورية، وسنكون قد أخلفنا موعدنا كمحامين مع تاريخ هذه الجمعية الرائدة وأصبحنا سوء خلف لخير سلف مع الأسف !
* محام بهيأة البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى