fbpx
افتتاحية

دروس الربيع

رحل زين العابدين بن علي، رئيس الجمهورية التونسية، تحت ضغط الثوار، واعتقل الرئيس المصري حسني مبارك، وقتل معمر القذافي، وانخرط شعبا اليمن وسوريا في الإطاحة برئيسيهما، واختفى عبد العزيز بوتفليقة من المشهد، واجتث الجيش السوداني الرئيس البشير.
تململت الشعوب العربية، دون أن يتوقف صدى الربيع العربي، ليس بسبب، كما يروج باحثون (أغلبهم غربيون أو لهم ثقافة الغرب)، الاستبداد السياسي فقط، فالأحداث الأخيرة بالسودان أعادت أسئلة “ثورة الجياع” إلى الواجهة، إذ انطلقت الاحتجاجات بسبب غياب الخبز والمواد الأساسية، ثم كبرت لتصبح انتفاضة سياسية أطاحت برئيس عمر 30 سنة.
أحداث متتالية تابعتها الشعوب، وخلف مشاهد أحداث “الربيع” فئات تعاني الفقر، وتشعر ب”الحكرة” ولا يسمع صوتها، تترقب شرارة الاحتجاج للمطالبة بالتوزيع العادل للثروة، فكل الأحداث ليست نتاج تخطيط مسبق، كما هو حال الثورات الغربية السابقة، بل بسبب ظروف سعت إلى تغيير الواقع الاجتماعي، وإحلال مبدأ المساواة الاجتماعية، تعكس رؤية ومصالح فئات اجتماعية منهكة لم تستفد من خيرات بلادها.
هناك خلاف بشأن خلفيات ثورات الربيع العربي، وتعدد في التفسيرات، لكن ما يوحدها أن انتفاضة فئة اجتماعية ظلت صامتة أمام رؤساء ومسؤولين، عاجزين عن امتلاك مشروع اقتصادي واجتماعي، فهي ثورات اجتماعية تحولت إلى سياسية، لأنها استهدفت أنظمة تحتكر الثروة، أمام فئات تشعر بالحرمان.
لقد ملت الشعوب العربية اللا مساواة والحرمان، وذاقت الفئات المتوسطة ألوان الكبت، فأصبحت تنتظر فرصة التعبير عن غضبها أمام نخب تحتكر السلطة وفاشلة في تحقيق التقدم الاقتصادي، فليبيا والجزائر لهما ثروات نفطية، لكن شعبيهما يعانيان الضيق، ومصر والسودان حباهما الله بثروة السياحة والأراضي الصالحة للزراعة، لكن حكامهما فشلوا في تعميم نموذج اقتصادي ناجح، واليمن وسورية وتونس ذاقت شعوبها أصناف الذل والظلم والجوع.
يؤكد الباحثون في العلوم السياسية، أن كل الثورات تحتاج إلى تراكم، إذ أن واقع الحال يؤكد أنه قبل كل غضب شعبي توجد اضطرابات اجتماعية تطول أكثر من قطاع حيوي، وأزمة اقتصادية تعيشها البلاد، وما يجمع هذه الأحداث اتساع دائرة الفقر وتهميش الطبقة المتوسطة.
إنها بعض دروس وعبر الربيع العربي، التي تحتاج فكرا جديدا ومتنورا لاظلاميا في التدبير، وحكومات بأغلبية متماسكة تمتلك برامج واقعية لمشاريع اقتصادية وثقافية واجتماعية واضحة، ونخبا تنصت إلى نبض وهموم الشعوب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق