fbpx
حوادث

مسألة تقادم العقوبة

القاضي الجنائي عند إصداره للعقوبة يضع في اعتباره فداحة الأفعال الجرمية وخطورة مرتكبيها

بقلم: عمر الكاسي *

في ظل هذا الزخم من النقاش القانوني المتعلق بمسألة تقادم العقوبة، وجوابا عن السؤال المثير للجدل، هل يحتسب أمد تقادم العقوبة اعتمادا على المعيار المتعلق بنوع الجريمة (جناية أم جنحة…؟) أم اعتبارا لنوع العقوبة المحكوم بها بغض النظر عن طبيعة أو وصف الجريمة؟ وهل مدة التقادم المسقطة للعقوبة الجنحية المحكوم بها في قضية جنائية هي 15 سنة ابتداء من تاريخ اكتساب القرار الجنائي قوة الشيء المقضي به؟ أم أربع سنوات فقط؟

بداية أؤكد أنني لم أكن أود أن أعطي رأيا، أو جهة نظر في موضوع أعتبر أن النقاش فيه محسوم حتى قبل الخوض في تفاصيله وحيثياته لاعتبارات عديدة أوردها كالآتي:
أولا: أن النصوص القانونية المحددة لأنواع العقوبات (الفصل 16 وما يليه من القانون الجنائي) والنصوص المحددة لمدد تقادم هذه العقوبات (المادة 648 وما يليها من ق.م.ج ) جاءت صريحة وواضحة ولا تحتاج الى شرح أو تفسير أو تأويل، ولا تثير أي لبس أو غموض.
والمشرع عندما نص على أن العقوبات الجنحية تتقادم بمرور أربع سنوات من تاريخ صيرورة الحكم حائزا لقوة الشيء المقضي به، يكون قد ركز على نوع العقوبة المحكوم بها بغض النظر عن وصف الجريمة المرتكبة ولو أراد المشرع غير ذلك لنص صراحة على ما يلي: ” تتقادم العقوبات الصادرة في قضية جنائية بمرور15 سنة… وتتقادم العقوبات الصادرة في قضية جنحية بمرور أربع سنوات… ” لكن بالرجوع سواء الى نص المادة 649 أو نص المادة 650 من ق.م.ج فإنه جعل مدة التقادم مقرونة بنوع العقوبة المحكوم بها، اذ نص على ما يلي: ( تتقادم العقوبات الجنائية بمضي 15 سنة…. وتتقادم العقوبات الجنحية بمضي أربع سنوات…) فالمشرع المغربي اعتمد معيارا فاصلا بين العقوبة الجنائية والعقوبة الجنحية حتى اذا تساوت العقوبتان، فاذا كانت العقوبة المحكوم بها عقوبة سجنية فانها في هذه الحالة تصنف عقوبة جنائية، أما اذا كانت العقوبة المحكوم بها حبسية فإنها تصنف كعقوبة جنحية، حتى اذا تجاوزت هذه العقوبة خمس سنوات. ولعل ما يعضد هذا الطرح و يزكيه هو ما تم التنصيص عليه بمقتضى الفقرة الثانية من المادة 650 التي جاء فيها : “غير أنه اذا كانت عقوبة الحبس المحكوم بها تتجاوز خمس سنوات فإن مدة التقادم تكون مساوية لمدة العقوبة”.
ثانيا: أنه من القواعد العامة المؤيدة لمبدأ الشرعية، والتي وقفنا عليها منذ السنة الأولى لولوجنا مدرجات الكلية، قاعدة عدم التوسع في شرح النص الجنائي الذي يكتنفه بعض الغموض، والحث على تفسير النصوص في اطار ضيق، ويقصد بالتفسير في هذا الباب تحديد المعنى الذي يقصده المشرع من ألفاظ النص لجعله صالحا للتطبيق دون البحث خلف السطور والتنقيب عن نوايا المشرع الخفية من وضعه لهذه النصوص لأن في ذلك مساسا بمبدأ الشرعية. وحتى مبدأ القياس الذي أجاز الفقه اعتماده في قواعد المسطرة الجنائية دون قواعد القانون الجنائي فقد وضع له حدودا وضوابط وأجازه فقط فيما يتوافق مع مصلحة المتهم لا أن يكون هذا القياس ضد مصلحته. وبالتالي لا يفهم الاستدلال ببعض القوانين المقارنة كالقانون المصري لاعتماد مدة التقادم الجنائي بالنسبة إلى عقوبة جنحية صدرت في قضية جنائية والحال أن صياغة المادة 528 من قانون الاجراءات الجنائية المصري جاءت مختلفة ومتباينة مع الصياغة الواردة في المادتين 649 و650 من ق.م.ج ولا موجب لاعتمادها للقول بمدة تقادم غير تلك التي تم التنصيص عليها.
ثالثا: أن الغاية من سن التشريعات لمبدأ التقادم هو وضع حد للجريمة وآثارها ومحو العقوبات الصادرة بشأنها اذ في سن هذا المبدأ وتطبيقه استقرار للأوضاع والمعاملات كما أن من شأن تحريك الدعوى العمومية بالنسبة لجرائم مر عليها ردح من الزمن ومواصلة إجراءات التنفيذ بالنسبة لعقوبات طالها التقادم أن يحدث اضطرابا ومسا بهذا الاستقرار الذي تسعى جميع الأنظمة القانونية الى تبنيه وترسيخه، ولذلك اعتبر التقادم في المادة الجنائية من النظام العام.
هذا فضلا عن أن جميع التعديلات التي طالت قانون المسطرة الجنائية المغربي والقوانين الإجرائية المقارنة بهذا الخصوص كان الهدف منها التقليص من مدد التقادم لتوافق ذلك مع المبادئ العالمية والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الانسان من جهة. ومن جهة ثانية فإننا نرى أن في تواري محكوم عليه بعقوبة عن الأنظار واختفائه وهروبه من قبضة العدالة نوع من العقاب والإيلام النفسي والمعنوي، اذ يظل المحكوم عليه طيلة مدة التقادم في وضع نفسي سيء يوازي الى حد كبير نفس الأثر الذي تحدثه العقوبة المحكوم بها بل وقد يتجاوزه في بعض الأحيان، وبالتالي فمن غير المستساغ عقلا ومنطقا أن تتقادم عقوبة صادرة في قضية جنحية مدتها خمس سنوات حبسا بمرور أربع سنوات، في حين تتقادم عقوبة جنحية أمدها سنة واحدة حبسا صادرة في قضية جنائية بمرور 15 سنة، علما أن القاضي الجنائي عند إصداره للعقوبة يضع في اعتباره دائما خطورة الأفعال الجرمية وخطورة مرتكبيها، بل إن بعض الجنح قد تكتسي خطورة بالغة، إذا قورنت بأفعال تشكل من حيث الوصف القانوني جناية.
رابعا: أن محكمة النقض استقرت في العديد من قراراتها على أن العبرة في احتساب مدة التقادم بالنسبة للعقوبات هو وصف العقوبة هل هي جنحية أم جنائية، بصرف النظر عن وصف الأفعال التي أدين من أجلها الشخص المعاقب. اذ جاء في قرار لمحكمة النقض عدد 447/1 المؤرخ في 26/02/2003 في الملف الجنائي عدد 34982/2002 أن اعتبار عقوبة ما متقادمة من عدمه يتحدد بنوع العقوبة المحكوم بها، وأن نوع العقوبة هو الذي يحدد أمد التقادم، وليس نوع الجريمة التي أدين من أجلها المحكوم عليه. فاذا أصدرت غرفة الجنايات حكما وصفت فيه الأفعال بأنها جناية وقضت في نفس الوقت على المحكوم عليه بعقوبة جنحية بسبب منحه ظروف التخفيف أو تمتيعه بأحد الأعذار المخففة من العقاب، فإن تلك العقوبة تخضع للتقادم الجنحي وليس لمدة التقادم الجنائي…
والمحكمة عندما اعتمدت التقادم الجنائي في قضية جنائية محكوم فيها بعقوبة جنحية، فإنها لم تجعل لما قضت به أساسا صحيحا من القانون، مما يعرض قرارها للنقض والإبطال.
فمحكمة النقض بمقتضى هذا القرار لم تعمد الى تفسير نص قانوني غامض، ولم تعمد الى شرحه أو توضيحه أو تأويله، وإنما صححت الوضع الخاطئ لمحكمة الموضوع ووضعت النص المعتمد في اطاره القانوني السليم.
وغني عن البيان، وفق ما تم سرده أعلاه أن النص القانوني المغربي المنظم لتقادم العقوبة لا يمكن الأخذ به وتطبيقه بمنأى عن النص القانوني المحدد لأنواع العقوبات، ولا يمكن التوسع في تفسيره أو شرحه أو تحميله تأويلات أكثر مما يحتمل، لوضوح النص من جهة، ولانسجام النص مع المبادئ الأساسية العامة للقانون من جهة ثانية، ولأن النص القانوني المغربي هو تكريس للمبادىء والمواثيق الدولية لحقوق الانسان.
* باحث في سلك الدكتوراه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى