حوادث

الأمانة العامة بين القانوني والسياسي

الأمناء العامون للحكومة مارسوا مهامهم بعيدا عن اليافطات السياسية والانتماءات الحزبية (2/2)

بقلم: حميد نعيمي *

لقد اضطلعت الأمانة العامة للحكومة تاريخيا، وعلى مر الحقب، بوظائف متميزة وسمات خاصة، لأنها المؤسسة الوحيدة التي تعاقبت على تسيير شؤونها شخصيات محدودة من جهة العدد، مقارنة بباقي القطاعات الحكومية الموازية، مما يقر بطابع الاستمرارية والاستقرار في المنصب لمدة طويلة تتجاوز أحيانا عقدا زمنيا بكامله، الأمر الذي يضفي على شخص الأمين العام :
أولا : صفة الرقيب القار على النشاط الحكومي، مما أدى إلى خروج النص القانوني الصادر في 4 دجنبر 1961. فعلى الرغم من خلوه من التنظيم الواضح للكتابة العامة، فقد أصبح بموجبه الأمين العام يضطلع بدور النيابة عن عضو من أعضاء الحكومة، في حال حدوث ما يمكن أن يحول دون ممارسة وزير ما لمهامه، طبقا لمراسيم صادرة عن الوزير الأول .
ثانيا : صفة المؤرخ أو الشاهد لجل القرارات الصادرة عن الحكومات المتوالية، مما دفع بعض الباحثين إلى نعتها بأرشيف الأمانة العامة المتميز بذاكرة الجهاز التنفيذي.
للإشارة، فإن كل الذين تقلدوا المهام أمناء عامين للحكومة مارسوا ذلك، بعيدا عن اليافطات السياسية والانتماءات الحزبية، مما جعل المؤسسة تدخل ضمن خانة وزارات السيادة بامتياز، خلافا لما أصبحت عليه مثيلتها السيادية الأخرى (العدل – الداخلية – الخارجية- الأوقاف و الشؤون الإسلامية)، إذ عرفت هذه الأخيرة – كما عاينا ذلك منذ ما يعرف بمرحلة التوافقات – تغيرات ولو أنها ليست عميقة ، من قبيل استوزار شخصيات تنتمي للمشهد الحزبي. وإذا صح القول، فالأمانة العامة تمثل إلى حد بعيد الإطار الاستثناء لقاعدة التعيينات التقنوقراطية بأبعادها التقليدانية لدولة المخزن الصرف، فهذه المؤسسة يمكن تصنيفها انطلاقا من هذا المنظور جهازا مرتبطا بالدولة وليس بالقطاع الحكومي ، كما أن العاملين بها يعتبرون خداما للدولة.
بعد هذا المسح الموجز لتاريخ هذه المؤسسة ، و كذا بعد الكشف عن بعض مواصفاتها و مظاهرها و أدوارها المتجلية، يحيلنا السؤال المنهجي إلى بحث كيفية تحديد مستويات المقاربة العلمية لواقع وأسس الأمانة العامة للحكومة مكونا مثيرا للنقاشات و السجالات المعرفية، التي لا حصر لها، ليس فقط في باب المبحث العام للقانون الدستوري، وإنما يتجاوزه إلى ما يتقاطع في الجهاز من حقول معرفية واسعة : القانون الإداري، علم الإدارة، علم السياسة….، مما يجعل المؤسسة تحمل وتتصف بطابع المزاوجة بين كل هذه المشارب سالفة الذكر. إذن، فنحن بصدد تعدد للرؤى لا محيد عنه إطلاقا. وفي غمرة البحث والتحليل قصد معرفة وإيجاد إجابات علمية عن مختلف الإشكالات القانونية والسياسية التي تطرحها مؤسسة الأمانة العامة للحكومة، استوقفتنا جدليتان: أولاهما جدلية “الجمود والانغلاق” على مستوى الممارسة والفعل عند هذه المؤسسة، جعلت الوزراء البرلمانيين يصفونها أو ينعتونها “بمقبرة القوانين”، وثانيهما جدلية ” الإتقان والاحترافية”على مستوى إنتاج وتجويد النصوص القانونية والتنسيق المحكم بين القطاعات الوزارية .
إن الإشكاليات المرتبطة بموضوع البحث، تتمحور بالأساس حول الوظائف الإستراتيجية التي تقوم بها مؤسسة الأمانة العامة للحكومة داخل النسق السياسي المغربي، سواء على المستوى القانوني أو التنظيمي، من خلال تفكيك وتحليل الأدوار والمهام التي تدخل ضمن صلاحيات المرافق الإدارية التي تمثل البنية التحتية لهذه المؤسسة، بدءا بالمديريات، مرورا بالأقسام، و انتهاء بالمصالح الأخرى.
فأهمية ومكانة مؤسسة الأمانة العامة للحكومة في النظام السياسي المغربي، على ضوء التجارب السابقة والتفاعلات الراهنة، باستحضار وظائفها المباشرة المؤطرة بنصوص قانونية،وكذا الوظائف”غير المباشرة”، أي-الخفية والجانبية- التي أفرزها الواقع السياسي اليومي، ومحددات اشتغالها قانونيا وتنظيميا وتراتبيا، ومدى قدرة هذه المؤسسة على ضبط التوازنات السياسية من خلال عدة ميكانيزمات، يبقى أبرزها آلية التوجيه أو التحكم في مخرجات المؤسسات الرسمية.
*أولا: إحداث الأمانة العامة للحكومة لم يأت من فراغ، بل فرضته بعض الرهانات المؤسساتية، التي تندرج في سياق محاولة بناء و تأسيس الدولة المغربية العصرية الحديثة، من خلال الاستعانة بالتجربة الفرنسية أو النهل و محاولة استنساخ بعض المؤسسات منها. ومن هنا جاءت فكرة إحداث قطاع مهمته الرئيسية إعداد القوانين والنصوص التنظيمية والقيام بأدوار استشارية وتطوير الإنتاج التشريعي، الذي يهم مختلف أوجه الحياة والممارسات في المجتمع المغربي على كل المستويات.
* ثانيا: انتقال الأمانة العامة للحكومة من مؤسسة قانونية صرف (العقل القانوني) غايتها الأساسية والمحورية تجويد القوانين وتطوير المنظومة التشريعية والتنظيمية، والتنسيق بين مختلف القطاعات الوزارية، إلى “مؤسسة سيادية” تتمتع بخصوصية تضاهي بعض القطاعات الحساسة التابعة بشكل مباشر للمؤسسة الملكية (العقل السياسي)، حيث أصبحت تقوم بأدوار سياسية وتنظيمية مهمة وحيوية، بل أضحت إحدى أهم الآليات المؤسساتية، التي أصبح النظام المغربي يعتمد عليها لضبط إيقاع الحياة السياسية، والتحكم في مختلف المجالات من خلال ضبط وتوجيه المنظومة القانونية.
وأثارت وظائف مؤسسة الأمانة العامة للحكومة العديد من الاستفهامات، تمحورت جملة وتفصيلا حول خصوصية وطبيعة دورها إطارا يشتغل وفقا لمنظومة التنسيق بين دواليب الجهاز الحكومي بإعداد التشريعات ومتابعة مراحل ملاءماتها وتطبيقاتها، وهي مهمة كثيرا ما تلفها السرية نظرا لعامل الحيطة والتريث ، إذ أن تدخل شخص الأمين العام يتسم غالبا بالمرونة، مستحضرا على الدوام الالتزام بآلية التكييف مع الوضع العام دستوريا وسياسيا باعتباره موظفا ساميا للدولة ، بعيدا عن دائرة الانتماءات الحزبية. فهو يستمر في مزاولة مهامه بالرغم من منطق التداول على السلطة التنفيذية ، وذلك بحكم طبيعة المهام المسندة إليه والأدوار التي يلعبها ضمن البنية الحكومية في علاقة برئيسها وبالملك. وهذا الأمر بات معمولا به ومعتبرا حالة سياسية عادية.
لقد حدد المشرع للأمين العام للحكومة صلاحيات إضافية تجعل دوره غير منحصر في حدود العمل الجماعي للحكومة، بل يتجاوزه ليصير، بموجب القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة ، مكلفا باتخاذ القرارات في الميادين المسندة إليه ؛ فباستقرائنا لمختلف الوظائف والاختصاصات يتضح لنا عبر مسارات هذا البحث أن هذه الأخيرة لا تتناسب كليا مع طبيعة الأمانة العامة بحكم التخصص في التشريع وإعداد النصوص بعيدا عن الأدوار الإدارية، ومن ثم تفتق لدينا السؤال التالي : ألم يحن الوقت بعد لتقليص العديد من اختصاصات الأمانة العامة للحكومة وجعلها مديرية عامة تابعة لرئاسة الحكومة؟
* باحث متخصص في القانون الدستوري والمؤسسات السياسية

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق