أخبار 24/24

جون بنعبد الجليل … راهب من حملة القرآن

رغم أن المسيحية  دخلت إلى المغرب منذ العصور الأولى لانتشارها على يد مبشرين عبروا اليها من فلسطين والدول المجاورة فاعتنق الكثيرون من المغاربة الإيمان المسيحي وخاصة من الأمازيغ وبنيت العديد من الكنائس على مساحة المملكة، إلا أنه سرعان ما بدأ الانتشار المسيحي بالانحسار وعدد المسيحيين ينخفض مع  وصول الإسلام إلى المغرب ابتداء من القرن السابع الميلادي.
وظل التاريخ المغربي يحتفظ بأسماء قليلة عكست البعد المسيحي، أو الانتقال من الإسلام إلى اليسوعية، أشهرهم المؤرخ الحسن الوزان الشهير ب»ليون الإفريقي» صاحب كتاب «وصف إفريقيا» الذي تم تنصيره بعد الأسر وظلت شخصيته مثار جدل عبر التاريخ.

وفي القرن العشرين ظهرت شخصية مغربية شكل انتقالها إلى المسيحية عنوانا للتحول الذي يمكن أن يطرأ على اختيارات الأفراد في توجهاتهم العقدية، كما هو الشأن بالنسبة إلى محمد بنعبد الجليل الذي تحول إلى «جون/ يوحنا» بعد اعتناقه المسيحية ليصير ذا شأن كبير في مجال تخصصه الجديد.

«جون محمد بنعبد الجليل» (1904 – 1979) الذي وثق جوانب من سيرته في كتاب تركه باللغة الفرنسية بعنوان «شاهد على القرآن والإنجيل»، تحدث باستفاضة عن الأسباب التي دفعته إلى التحول من العقيدة التي نشأ عليها وتبحر في علومها منذ الطفولة، خاصة أنه حفظ القرآن وحج مبكرا ودرس في القرويين بفاس التي ولد بها، إلى الدين الجديد الذي ارتضاه لنفسه بعد أن اقتنع بمبادئه وخطه الروحي.

وبدأت بوادر الاقتناع الأولي على الشاب بنعبد الجليل خلال اللحظة التي انتقل فيها إلى جامعة السوربون في مطلع العشرينات، لمواصلة دراسته التي بدأها في مدرسة «شارل دوفوكو» ثم «ليسي غورو» بالرباط، وبالموازاة مع دراسته الجامعية تخصص الشاب المغربي في الفلسفة وأخذ دروسا عن المسيحية الكاثوليكية بتوجيه من المستشرق الفرنسي لويس ماسينيون الذي كانت تربطه به علاقة وطيدة ومراسلات تتضمن نقاشات معمقة حول المسيحية.

وبعد مخاض فكري عسير امتد لأكثر من ثلاث سنوات اقتنع بنعبد الجليل بالتعاليم اليسوعية ليتم تعميده من قبل الكنيسة الكاثوليكية وهو في سن الرابعة والعشرين، قبل أن يتدرج سنوات قليلة بعد ذلك في سلك الرهبنة، ويتم ترسيمه كاهنا، فالتحق مدرسا بإحدى المدارس الكاثوليكية يلقن التلاميذ العربية والأدب وتاريخ الأديان، فضلا عن إتقانه العديد من اللغات منها الفرنسية والألمانية والإسبانية والإنجليزية.

ورغم المشاكل التي أثارها تحوله مع أفراد عائلته، سيما أنه سليل عائلة عريقة ومشهورة بفاس والرباط، إلا أن ذلك لم يجعله يتراجع عن اختياره الجديد، ليواصل مساره في البحث والتدريس قبل أن يقعده المرض، ويسلمه إلى الموت بعد مسار مثير للجدل.

عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق