الصباح الـتـربـوي

مدرستي الحلـــــوة : آمنة بنت وهب… مرحلة إعادة الثقة

كان التحاقي بمدرسة آمنة بنت وهب الابتدائية ببورغون بالدار البيضاء، بمحض الصدفة، وفي مرحلة متقدمة من العام الدراسي. قبلها كنت أدرس بابتدائية عمر الخيام التي قضيت فيها معظم سنوات الابتدائي، لكني غادرتها في آخر سنة مضطرة، قبل انتهاء السنة الدراسية، بسبب مشاكل مع أحد أساتذة اللغة العربية الذي كانت معاملته للتلاميذ تتميز بالكثير من العنف والشدة، ما جعلني أطلب من والدتي نقلي إلى مؤسسة تعليمية أخرى، خاصة أن ذلك المعلم «المريض»، كان يستفزني بشكل شخصي أحيانا، بل ويعمد إلى سرقة كتبي وأدواتي من القمطر في حصة الاستراحة ، ليطالبني بها في الساعة الموالية. وحين لا أعرف بم أجيبه، يوبخني ويعاقبني ب»قتلة ديال العصا»، إلى أن تورمت أصابع يدي، وأصبحت عاجزة عن تحريكها.  أمام هذا الوضع الغريب، وبدون الدخول في الكثير من التفاصيل المملة والمؤلمة في الوقت نفسه، غادرت صفي وأصدقاء الدراسة في مدرسة عمر الخيام، لألتحق بمدرسة آمنة بنت وهب، بعد إتمام جميع الإجراءات. لم يكن الوضع سهلا بالنسبة إلي، ولا مريحا. فقد كنت أشعر، منذ اللحظة الأولى التي وطأت فيها قدمي باب المؤسسة، بأنني غريبة، ووحيدة. لم أكن أعرف أحدا في القسم أو المدرسة، وكان يبدو لي من الصعوبة بما كان إقامة علاقات صداقة جديدة، خاصة أنني لست من النوع الذي يستأنس بالأشخاص بسهولة.  أتذكر جيدا أن أول حصة دخلتها كانت حصة رياضيات ولغة فرنسية. (كنت سيئة في مادة الرياضيات ولم أكن أحبها، عكس دروس الفرنسية التي كنت أحصل فيها دائما على نقاط جيدة). كما أتذكر أنني جلست في طاولة بالصف الخلفي، إلى جانب باب القسم تماما، كما لو أنني على استعداد للهرب عند أول موقف محرج أتعرض إليه، خاصة أن التجربة السابقة أثرت على نفسيتي كثيرا في تلك السن (أظن أنني كنت في العاشرة من عمري حينها). بدأت أتأقلم مع الأجواء تدريجيا. وساعدني في ذلك مدرسي (مدرس اللغة الفرنسية والرياضيات) الذي لا يمكنني أن أنسى اسمه وذكراه ما حييت… الأستاذ بازوني. لقد كان مدرسا حقيقيا، من أولئك المدرسين الذين كادوا ينقرضون إن لم ينقرضوا فعلا. لقد كان رجلا صارما، وجميع من في القسم كان يهابه. لكنه، كان يؤدي مهمته على أكمل وجه، وكانت لديه طريقة سلسة وذكية في تلقين الدرس، إلى درجة أنني كنت أستوعب أحيانا مادة الرياضيات التي لم أكن «أقشع» فيها شيئا. أعاد إلي الأستاذ بزوني الثقة في نفسي. بدأ يشركني في النقاش حول الدرس، ويطلب مني الإجابات، كما كان يشيد بتفوقي في دروس اللغة الفرنسية ويثني على مثابرتي أمام التلاميذ، الذين أصبحوا شيئا فشيئا يتقربون مني ويقتسمون معي حلوياتهم وأشياءهم، إلى أن اندمجت تماما داخل المؤسسة الجديدة وأصبحت كمن قضت كل سنوات دراستها هناك. بل إنني أتذكر مراحل دراستي في آمنة بنت وهب، رغم مدتها القصيرة، أكثر مما أرغب في تذكر المرحلة التي سبقتها.
نورا الفواري

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض