افتتاحية

دفاعا عن القانون

من يريد بسط سطوته على القضاء، هل هم القضاة أنفسهم؟ أم السياسيون؟ ومن يريد لجم يد القضاء ومنعها من الوصول إلى الحقيقة، في زمن دسترة قرينة البراءة؟ ولماذا تقيم قضية الدنيا ولا تقعدها عندما يتابع فيها من يصف نفسه قياديا في حزب أو يصفه زملاؤه بذلك النعت، والعكس تماما يحدث عندما يتابع مواطن بسيط. استفهامات وأخرى طرحها تسخين المحركات بين أكثر من جهة، بلغت حد التهديد، مباشرة بعد أن وجه قاضي التحقيق تهمة المساهمة في القتل العمد لحامي الدين.
تحولت الحلبة إلى مجال للفقه سواء لمن له الأهلية في الإفتاء القانوني، أو لمن لا يعرف منه سوى أبجديات لا ترقى إلى انتقاد قرارات قضائية في زمن استقلال القضاء، بل وتأتي ممن سعوا إلى هذا الاستقلال ودافعوا عنه.
اتركوا القضاء ولا تحاولوا البحث عن صيغ جديدة لإعادته بيد السلطة التنفيذية أو تحت أهواء الوزراء والسياسيين وتوجهاتهم المختلفة المشارب، فالمتابعة الجديدة، تجري وفق مبادئ العدالة، والنقاش الحقيقي سيكون في محراب العدالة وداخل قاعة الجلسات للمناقشة والتحاجج.
ما يعيب بعض المتكلمين من مناصري الانتماء السياسي الضيق الذين حولوا سهامهم للقضاء لمجرد أنه تابع المتهم من جديد، أنهم دفعوا ببراءته وفق مقرر هيأة الإنصاف والمصالحة، رغم أن الأخير لا يعدو أن يكون جبر ضرر وليس قرارا قضائيا. كما أن قول الرميد وهو المحامي ووزير حقوق الإنسان، بحفظ الشكاية، ليس إلا كلاما يراد به باطل، مادام الحفظ بدوره قرارا إداريا وليس قضائيا، ويمكن في أي وقت إخراج الشكاية من الحفظ عند ظهور أدلة أو عناصر جديدة تفيد في البحث وتوجيه الاتهام. أما القائلون بالتقادم فهناك من الإجراءات القاطعة ما يشفع لأسرة أيت الجيد، في نيل حقها في القصاص، ممن تعتبره مساهما في الجريمة التي أزهقت روح الفقيد.
أخيرا، وليس آخرا، فإن القول بسبقية البت، يتفق فيه القانونيون، أن مجاله ليس القانون الجنائي، بل المدني، وفق الفصلين 451 و452 من قانون الالتزامات والعقود، وحتى الأخذ به في القانون المدني محدد بشروط.
ولعل حيثيات الفقرة الأخيرة من الفصل 369 من القانون الجنائي، والتي تقول “كل متهم ببراءته أو بإعفائه، لا يمكن أن يتابع بعد ذلك من أجل نفس الوقائع ولو وصفت بوصف قانوني آخر”، لدليل على أن المتابعة مشروعة، فحامي الدين لم يبرأ ولم يعف، بل أدين، والفصل لم يتحدث عن الإدانة بل البراءة أو الإعفاء، وحسب الوقائع الجديدة التي اكتشفها قاضي التحقيق نحن اليوم أمام جريمة جديدة، وهي المساهمة في القتل العمد، والتي سبقها إصرار وترصد، وليس في شجار أدى إلى الوفاة، وهو الوصف الذي أدين من أجله المتهم وحكم بموجبه بسنتين حبسا.
في خضم هذه الزوبعة، فالقضاة ملزمون بعدم الكلام، لأن القاضي يحكم ولا يتكلم، فمصلحة السياسي تختلف دائما عن مصلحة القاضي، فالأول يبحث عن النجومية والسطوة، أما الثاني فيبحث عن الحقيقة والعدالة، فلسنا أمام واقعة حامي الدين فقط، بل نحن أمام محمي من قبل رجال الدين والسياسة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض