حوادثمقالات الرأي

مسوغات قاضي التحقيق في ملف آيت الجيد

الاستقلالية في الممارسة القضائية باتت تقض مضجع البعض (الحلقة الأولى)

بقلم: ذ.محمد مسعودي *

لم يدر قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بفاس الطويلب المشهود له بالكفاءة والمهنية، وهو يصدر أمرا في نطاق صلاحياته القانونية والقضائية، بإحالة متهم من أجل تورطه في ارتكاب جناية المساهمة في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، بناء على ما توافر لديه في ملف القضية من وسائل إثبات كافية لإحالة المعني بالأمر على غرفة الجنايات الابتدائية لمحاكمته طبقا للقانون، أن هذا الأمر القضائي سيثير زوبعة إعلامية، بعد أن جر عليه سخط وتذمر بعض الفعاليات الحكومية والبرلمانية بتدوينات وبلاغات نزلت تباعا كسيل المطر المنهمر…بالاندهاش والخرق والعدمية تارة، واعتبار الأمر انتكاسة حقوقية وردة ونكوص إلى الخلف، يشي بانقلاب في مسار العدالة في المغرب تارة أخرى.

أقصى ما اعتاده قاضي التحقيق أن يطعن في أوامره من أطراف التحقيق، ذوي المصلحة طبقا للقانون أمام الجهة القضائية المختصة، التي تتولى البت فيها إما بالتأييد أو الإلغاء أو التعديل،
لكن ما لبثت تساؤلات واستفهامات صاحبنا أن تبددت وتلاشت، بعد أن اطلع على مضمون التدوينات والبلاغات المذكورة، ليفهم أن الشخص الذي أمر بإحالته ليس شخصا عاديا أو هكذا أريد له أن يكون، وإلا لما حظي بكل هذا الدعم…ليرسم حينها على شفتيه ابتسامة عريضة متبوعة بتنهيدة من الأعماق، لسان حالها لماذا لا يحظى جميع المتهمين بهذا الدعم والتضامن؟ ألأنهم ليسوا شخصيات عمومية أو لأنهم لا ينتمون لأحزاب سياسية ..

أسئلة كثيرة دارت ببال قاضي التحقيق المحترم وهو يقلب بين يديه الأمر بالإحالة الصادر عنه، ووثائق قضية المعني بالأمر عله يجد مسوغا أو سببا قانونيا أو واقعيا، يشفع لكل هذا الجدل حول أمر قضائي عاد أصدره كغيره من مئات الأوامر الأخرى، دون أن يجد جوابا، قبل أن يقرر إغلاق دفتي الملف مرتاح البال، بعد أن اقتنع انه أدى واجبه المهني بكل تجرد وموضوعية ومسؤولية، وأن قدره ربما هو إصداره لأمر قضائي في عز استقلالية السلطة القضائية، وتوطيد دعائمها بتأسيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ورئاسة النيابة العامة. هذه الاستقلالية في الممارسة القضائية التي يبدو أنها باتت تقض مضجع البعض، الذي ما زال يحن لتبعية القضاة للسلطة التنفيذية، حيث قاعدة السياسي يوجه القانوني، حسب ما تتلمذنا عليه في مدرجات كليات الحقوق عند دراسة مواد المدخل لدراسة القانون والقانون الدستوري، والعلوم السياسية لمن اختار منا تخصص القانون العام..

هكذا، تخيلت قاضي التحقيق مندهشا لاندهاش منتقديه وهو يطلع على ردود الأفعال حول الأمر القضائي الذي أصدره، والذي للأمانة لا أعرفه شخصيا ولكن أسمع عنه كل خير داخل الوسط القضائي الذي يشهد له فيه بالكفاءة والاستقامة والنزاهة الفكرية… وأتمنى أن ألتقيه عن كثب لأقول له سلمت يداك، لأنك بأمرك هذا أسقطت الشجرة التي تخفي الغابة بوحوشها وسباعها.. والتي كثيرا ما رسمها لنا البعض أنها منبع احترامهم وتقديرهم لهيبة القضاء وسمعته وحرمته ولكنها يا حسرة مجرد شجرة “نويل” كناية عن “بابا نويل” لا جذور لها ولا أصل لها مزخرفة بلعب وحلويات أطفال انطفأت وخفت بريقها بمجرد نهاية رأس السنة…

وبعيدا عن السياسة التي لها ساستها وكواليسها ودهاليزها، كما يصفها لنا دكتور ومعلم الأجيال محمد الإدريسي العلمي المشيشي من أصل ساس يسوس سياسة وسوسا، والتي كما تعني القيادة والإدارة والتدبير لها معنى سلبي وهو السوس أو التآكل بفعل بعض الحشرات أو طول القدم المفضي إلى الانهيار ثم التحول إلى غبار قبل اختفائه بفعل الانتهاء. فمن الواضح أن عوامل كثيرة تعرض السياسة إلى الضعف والاعوجاج وكأن السوس قد نخرها.(د.محمد الإدريسي العلمي المشيشي-عرض ألقي بالرباط بتاريخ 08/11/2012 أمام الهيأة العليا لإصلاح منظومة العدالة حول موضوع سياسة التجريم الواقع والآفاق، منشور بسلسلة المعارف القانونية والقضائية: قراءات في المادة الجنائية/الجزء الأول منشورات مجلة الحقوق، نشر المعرفة، صفحة: 9 وما يليها)

دفعتني ردود الأفعال أعلاه، حول الواقعة موضوع الأمر الذي أصدره قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بفاس، في مواجهة شخص من أجل تورطه في جناية المساهمة في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد طبقا للفصول 128 و392 و393 و394 و395 من القانون الجنائي، قيل أنه سبق أن حوكم من أجل الوقائع نفسها سنة 1993 من أجل جنحة المساهمة في مشاجرة أدت إلى الوفاة طبقا للفصل 405 من القانون نفسه، إلى التساؤل كرجل قانون وممارس قضائي حول الإشكال القانوني الذي تطرحه هذه الواقعة حول مدى جواز متابعة شخص من أجل وقائع سبق أن حوكم وأدين من أجلها بموجب مقرر قضائي حائز لقوة الشيء المقضي به، أو بعبارة أخرى ما مدى حجية التكييف القانوني للحكم بالإدانة الحائز لقوة الشيء المقضي به، هل تنحصر هذه الحجية في تكييف الواقعة التي فصل فيها الحكم النهائي أم تتعداها لجميع التكييفات القانونية الأخرى المحتملة للواقعة؟ وماذا لو تعلق الأمر بأفعال جديدة غيرت من حدود ونطاق وتفاصيل ومضمون الواقعة المحكوم بها هل نكون أمام الواقعة نفسها أم أمام واقعة جديدة تحتمل تكييفا قانونيا مستقلا وتنشأ عنها دعوى عمومية جديدة، وما هو الإطار القانوني الذي يحكم هذه المسألة؟

يستدعي الجواب عن الإشكال القانوني أعلاه، وما ينبثق عنه من أسئلة فرعية، تناول الموضوع من خلال محورين اثنين:
– أولا: مفهوم حجية الحكم الجنائي
– ثانيا: حجية التكييف القانوني للحكم الجنائي القاضي بالإدانة
وأنا هنا لا أدعي الاطلاع على الملف والإحاطة بكافة تفاصيله، ولكنها مجرد وجهة نظر قانونية شخصية، انطلاقا مما تأتى من لملمة بعض مما نشر على الفضاء الأزرق والشبكة العنكبوتية من أوراق ومعلومات ومعطيات ذات صلة بملف القضية، مع تسجيل احترامي التام والمطلق لقرينة البراءة المكفولة قانونا للشخص المعني بالأمر، موضوع الأمر بالإحالة الصادر عن قاضي التحقيق، طبقا لما تنص عليه مقتضيات المادة 1 من قانون المسطرة الجنائية، ويقيني المطلق بأن كلمة الفصل والحسم في القضية تعود وحدها للجهة القضائية المعروض عليها الملف طبقا للقانون.
*أستاذ باحث في صف الدكتوراه
عضو الودادية الحسنية للقضاة المكتب الجهوي بالدار البيضاء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق