الأولى

قائد يأمر باعتقال سيدة بتهمة “بيع دجاجتين”

قروية في الخمسينات تنقل على متن سيارة الأمن ببرشيد وتبيت ليلتين في المعقل بأمر من النيابة العامة

دخل قائد المقاطعة الحضرية الثالثة ببرشيد التاريخ من بابه الواسع، وذلك ضمن المسجلين في إطار محاربة الفقر والباعة الذين يفرشون سلعهم على الأرض بالأسواق الأسبوعية، إذ تسبب يوم الاثنين الماضي، في إيداع امرأة قروية في السجن، والتهمة عرض دجاجتين بالطريق بغرض بيعهما من أجل إطعام أبنائها.
هكذا ودون مقدمات، تبيت المرأة القروية في معقل مفوضية الشرطة بعد استقدامها من السوق الأسبوعي لمدينة برشيد وهي تتحوز ب«المواد المحظورة»، والتي كانت عبارة عن دجاجتين.
القصة ابتدأت يوم الاثنين الماضي الذي يتزامن مع انعقاد السوق الأسبوعي الشهير ببلدية برشيد، فبعد أن حلت به المرأة ذلك الصباح وهي تحمل كعادتها دجاجتين، كانت تنوي بيعهما لاستغلال عائداتهما في اقتناء ما تطعم به أبناءها، أخذت مكانها في الطريق الذي يملؤه «الفراشة» من عارضي المنتوجات والسلع طلبا للرزق.
بينما كانت المرأة منهمكة في حديث مع أخرى بالقرب منها، فوجئت بقدم تقذف الدجاجتين، وما إن رفعت رأسها حتى بدت لها صورة شخص في زي مدني، يعربد ويتوعد آمرا بإخلاء المكان. احتجت المسكينة على ما آلت إليه دجاجتاها، واستصغرت تصرف الرجل وضربه طيرين لم يؤذياه، فاجتمع حشد من المتسوقين ينتقذون السلوك الذي بدر منه، قبل أن يتبين أن الأمر يتعلق بقائد، يحكم بزمام الأمور، وللبرهنة على أنه كذلك ركب أرقاما في هاتفه المحمول ونادى على الشرطة، قبل أن يشد على خناق المرأة معنفا إياها في صورة اهتزت لها مشاعر الحاضرين.
وقفت سيارة الأمن وحملت المرأة ومعها الدجاجتين، وأكمل القائد توجيه حديثه إلى الباقين مستعرضا ما يستطيع القيام به مهددا بمصير أسوأ لكل من يعترض طريقه.
وجد رجال الأمن أنفسهم يحابون السلطة المحلية، وأنجزت محاضر الاستماع، أكثر من ذلك تم إبلاغ النيابة العامة ب»خطورة الأفعال المنسوبة إلى المرأة القروية» التي حلت بالمدينة في صباح ذلك اليوم، كما أشاروا إلى المحجوزات التي ضبطت بحوزتها، (الدجاجتين)، والسلوك الذي بدر منها عندما ركل القائد دجاجتيها!
أصغى ممثل النيابة العامة جيدا للمكالمة التي وردت عليه من قبل مصلحة الشرطة، وكيف الأفعال وخطورتها وأمر بوضع المسكينة رهن الحراسة النظرية منذ الاثنين إلى صبيحة أمس (الأربعاء) لتقديمها أمامه في حالة اعتقال لاتخاذ المتعين في حقها وملاءمة خطورة أعمالها مع فصول القانون الجنائي وتتويج ذلك بالتهمة الجاهزة «إهانة موظف»!
القائد عمل بالمثل الشعبي الذي يقول «كبرها تصغار» بعد أن حاصرته احتجاجات المتسوقين، والنيابة العامة ومعها الشرطة أمعنت في تطبيق المثل نفسه، سيما أن «المتهمة» مستضعفة وليست من ذوي النفوذ أو لها علاقات مع مالكي مفاتيح السجن، إذ في الوقت الذي يتحدث فيه وزير العدل والمهتمون بالقطاع عن السياسة الجنائية الجديدة وترشيد الاعتقال نجد أن عقليات مازالت تستعرض قوتها وقدرتها على الزج بالأبرياء في السجون.
المأساة التي نجمت عن الحادث، ازدادت عمقا بعد أن أدرك أبناء المرأة القروية أن أمهم معتقلة، فتاهوا في البحث عنها إلى أن أدركوا أنها توجد في «الكوميسارية»، وعلموا أن السبب هو القائد، فذهب أحد أبنائها يتوسل إليه ويقبل يده، للصفح وإخراج أمه من الاعتقال، وكان القائد مزهوا وهو يقول «غادي نشوف أش ندير مع النيابة العامة»، وكأنه سيحقق نصرا آخر.
أما الدجاجتان المحجوزتان، فاختفتا عن الأنظار ولم تحالا مع المرأة في يوم التقديم، بل حتى هي لم تسأل عن مصيرهما، وأصبحت تعتقد أن بيع «الدجاج البلدي» في المدينة يعاقب عليه القانون الجنائي، ويعتقل من ضبط بحوزته!

المصطفى صفر

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق