fbpx
ملف الصباح

التهرب الضريبي … أزمة ثقة بين الإدارة والمواطن

الشيكر أكد أن غياب الإنصاف الجبائي وروح المواطنة أنعشا ظاهرة التهرب الضريبي

أكد محمد الشيكر، رئيس مركز عبد العزيز بلال للدراسات والأبحاث، أن الجبايات تقوم على مبدأ التضامن، إذ تفرض من قبل النظام في سياق تأكيد السيادة وتدبير الشأن العام، موضحا أن 70 % من مداخيل الضريبة على الدخل يتحملها الأجراء والموظفون، فيما 60 % من المقاولات تصرح بعجز مالي سنويا، ما يظهر وجود خلل في منسوب الالتزام الضريبي لدى المغاربة، إذ يظل الاقتطاع من المصدر الحل الأنجع للتحصيل، مقارنة مع التصريح، مشددا في حوار مع “الصباح” على وجود أزمة ثقة بين المواطن والإدارة، خصوصا عند الوقوف على مجموعة من الحالات التي يغيب فيها الإنصاف الجبائي. في ما يلي نص الحوار:

< ما هي حدود ارتباط الضريبة بالخدمات العمومية؟
< يجب في البداية، تصحيح مفهوم خاطئ شائع بين المواطنين، يتعلق بربط الضريبة بالخدمات العمومية. وهكذا، فإن الدولة غير ملزمة بتوفير الخدمات الصحية للمواطن، طالما انه يؤدي ضرائبه، ذلك أن الجبايات تقوم على مبدأ التضامن، إذ تفرض من قبل النظام في سياق تأكيد السيادة وتدبير الشأن العام.
وبالعودة إلى التأصيل التاريخي لمبدأ الضريبية، فإنها ترتبط بالمواطنة، وبالتالي فإن المتخلفين عن أدائها في أوربا، كانوا محرومين من حق الانتخاب والتصويت. وعليه، فإن الادعاء بأن الدولة ملزمة بمعالجة حفرة أمام منزل مواطن لأنه يؤدي ضرائبه، يظل قاصرا عن بلوغ أهداف الفلسفة الجبائية، المتمثلة في أن الضرائب تؤدى للخزينة العمومية، وليس لصالح الجماعة الحضرية أو القروية، المعنية بمعالجة الحفرة، وبالتالي لا علاقة للالتزام الجبائي بالخدمات العمومية.

< بماذا تفسرون تحصيل الجزء الأكبر من الجبايات عبر الاقتطاع من المصدر؟
< تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن 70 % من مداخيل الضريبة على الدخل يتحملها الأجراء والموظفون، فيما 60 % من المقاولات تصرح بعجز مالي سنويا، ما يظهر وجود خلل في منسوب الالتزام الضريبي لدى المغاربة، إذ يظل الاقتطاع من المصدر الحل الأنجع للتحصيل، مقارنة مع التصريح، ذلك أن غياب روح المواطنة لدى الملزمين، خصوصا المقاولات، يشجع على التهرب الضريبي، وكذا القفز على جميع الالتزامات العامة، مثل التحملات الاجتماعية الخاصة بالأجراء وغيرها من الواجبات.

< ما هي محفزات التهرب الضريبي؟
< هناك مجموعة من العوامل التي تساهم في استفحال ظاهرة التهرب الضريبي في المجتمع، تفترض العودة إلى الجذور التاريخية لعلاقة المغاربة بالضريبة، التي كانت تفرض عليهم خلال القرن التاسع عشر من قبل المخزن، في وقت كان هناك خلط بين خزينة الدولة وممتلكات السلطان، وبالتالي انطلقت انتفاضات من قبل قبائل على ارتفاع الضرائب.
ومن هذا المنطلق، فقد المغاربة الثقة في السلطة، إذ لم يكونوا يرون مقابل ما دفعوه في الواقع، في شكل خدمات صحية وتعليم وأمن وغيرها، ما يؤشر على وجود أزمة ثقة بين المواطن والإدارة، خصوصا عند ضبط مجموعة من الحالات التي يغيب فيها الإنصاف الجبائي، إذ يتحمل الأجراء مثلا، الثقل الضريبي الأكبر اليوم، باعتبار اقتطاع الضرائب من المصدر، فيما تتركز أغلب حالات التلاعب في الجبايات، الخاضعة لنظام التصريح.

< أي اختلاف بين التهرب والتملص الضريبيين؟
< يتعين التفريق بين مصطلح التهرب الضريبي ” la fraude fiscale”، الذي يكون ثابتا  في حال عدم الإدلاء بالمداخيل والأرباح الحقيقية لدى المصالح المكلفة بمراقبة وتحصيل الضرائب، من أجل الامتناع عن أداء الواجبات الضريبية بطريقة مخالفة للقانون، في حين أن التملص الضريبي “l’evasion fiscale”، يكون عندما يعمد الملزم، بشكل احتيالي، إلى استغلال الثغرات التي توجد بالمنظومة القانونية الجبائية، من أجل عدم الوفاء بالتزاماته الضريبية.
وفي ظل غياب أرقام حول قيمة الفاتورة التي تؤديها الخزينة العامة عن ممارسات التهرب الضريبي، فإن النفقات الجبائية، تمثل صورة من صور الهدر الضريبي، وبالتالي فنزيف الخزينة يقدر بحوالي 34 مليون درهم، في شكل إعفاءات وتخفيضات واستثناءات ضريبية، إلى جانب الضرائب غير المحصلة عن القطاع غير المهيكل، وهو المبلغ الذي لا يتم التركيز عليه بشكل جدي من قبل الحكومة، مقابل اهتمام أكبر بميزانية المقاصة التي لا تتعدى 15 مليون درهم، علما أن قيمة الإعفاءات الممنوحة لم تثبت نجاعتها على مستوى الاستثمار.

“إتاوات” لا جبايات

< هل يساهم الضغط الضريبي في التهرب؟
< يحفز ارتفاع قيمة الالتزامات الضريبية على التهرب من الوفاء بها، إذ تشير الإحصائيات والتقارير الدولية في هذا الباب، إلى تمركز المغرب ضمن الدول الأعلى تضريبا على المستوى الإقليمي، في الوقت الذي تتفق المعايير الكونية للمواطنة على أداء الضريبة، باعتبارها صورة من صور المساهمة الاجتماعية، ذلك أن المفهوم الجبائي انتقل مع تطور المجتمعات، من صيغة الجبر المرتبطة بالولاء والطاعة، إلى شرط للاستفادة من التمثيلية السياسية.
وينظر المغاربة إلى الضرائب باعتبارها “إتاوات” مفروضة عليهم جبرا، ويتحينون الفرصة للالتفاف على أدائها، ما يؤشر على وجود علاقة غير مستقرة بين الإدارة الجبائية والملزم، ذلك أنه لا يرى مظاهر ترجمة ما يؤديه من ضرائب، في شكل خدمات وتطوير للبنيات التحتية، على أن الطريقة التي تنهجها الإدارة، من أجل تشجيع الأداء بالنسبة إلى المتخلفين، عن طريق الإعفاءات، تؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصا أن قيمة الإعفاءات الجبائية تصل إلى 34 مليار درهم سنويا، ويستفيد منها أصحاب المقاولات والمستثمرون بشكل رئيسي.

في سطور:

– من مواليد 1949 بوجدة.
– متزوج وأب لطفلتين.
– حاصل على دكتوراه الدولة في الاقتصاد من جامعة محمد الخامس في الرباط في 1998.
– إطار سابق في مؤسسات عمومية كبرى.
– له العديد من المؤلفات في العلوم الاقتصادية باللغتين العربية والفرنسية.

أجرى الحوار: بدر الدين عتيقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى