fbpx
ملف الصباح

العياشي … “الحوفار” المقهور

العياشي رب أسرة مقهور. جيوبه فارغة. لا يجد ما يعينه على الدخول المدرسي الجديد بعد أن استنزف “الحولي” جميع إمكاناته المادية. وقبله مصاريف العطلة الصيفية، وقبلها عيد الفطر ورمضان.

العياشي أب لثلاثة أبناء. محسوب، حسب أوصاف مندوبية التخطيط، من الطبقة المتوسطة، رغم أنه، في الواقع، من طبقة الفقراء الكادحين “المحفحفين” و”الحوفارة”. أجرته البئيسة لا تتعدى 4000 درهم لم يعرف كيف يقسمها بين “الما والضو” والكراء والأكل وغيره من مستلزمات الحياة الضرورية، لأنها غير قابلة للتقسيم أصلا. أما “الفسح” والعطل والأعياد والمناسبات والاحتفالات، فهي ترف لا يستطيع إليه سبيلا.

لا يتوقف دماغ صديقنا العياشي عن التفكير ليل نهار. وحتى في عز نومه، يتخيل جميع السيناريوهات الممكنة من أجل تدبير الدخول المدرسي لأبنائه، ولا يجد من بينها “ما يسلّكه”. ويجمح به خياله بعيدا جدا، حتى أنه أصبح يقول في قرارة نفسه “آش غا يوقع كاع إيلا خرجت هاد الدراري من المدرسة. هادوك اللي قراو آش دارو بيه؟”، قبل أن يستغفر ربه، ويعود إلى التفكير من جديد، علّه يجد مصدرا جديدا للمال، يخلّصه من هذا الهم الذي يجثم على قلبه.

جميع الحلول لجأ إليها. البنك الذي يتعامل معه رفض أن يمنحه قرضا لأنه “غارق كريديات” والمبلغ الذي يسدده شهريا يفوق نصف أجرته الشهرية. وما يتبقى له منها يمنحه إلى زوجته التي اشتركت في “دارت” مع الجيران من أجل تأمين مبلغ مالي لإعادة صباغة جدران البيت وترميم ما يجب ترميمه.

أصدقاؤه حالهم تشبه حاله ومنهم من هو في وضعية “أكفس” منه. بعض أفراد العائلة أصبحوا يتهربون منه بسبب طلبات السلف التي لا تتوقف. لقد وصل به الأمر ذات ضيقة يد أن استدان 20 درهما.

ليس للعياشي ما يبيعه أيضا. الدراجة النارية التي كان يملكها ويستعين بها على جحيم النقل في البيضاء، باعها السنة الماضية من أجل شراء مستلزمات الدراسة لأبنائه. لا أملاك لديه ولا إرث. جميع الأبواب مقفلة في وجهه.

تسرب اليأس إلى نفس العياشي، خاصة بعد أن بدأت أسئلة الأولاد و”مولات الدار” التي لا يجد لها جوابا، تتناسل. كيف سيلبي طلباتهم؟ هل يسرق؟ وإذا ما تم القبض عليه، فمن سيعيلهم بعده؟ هل يفرّ إلى مكان بعيد لا يعرفه فيه أحد ويبدأ حياة جديدة “ديال راسو”؟ هل يتنصل من مسؤوليته؟ هل ينتحر ليرتاح من حياته؟ أن يصاب بالجنون هو أفضل ما يمكن أن يحصل له في هذه الظروف. حينها، سيرفع عنه القلم، وستجد عائلته أن الله ابتلاهم بهذه المحنة. فلا راد لقضائه أبدا.

نورا الفواري

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى