fbpx
بانوراما

سجون ما بعد الاستقلال: “دار بريشة” … معتقل الأحزاب المتصارعة

سجون ما بعد الاستقلال (الحلقة الأخيرة)

شهد المغرب، بعد الاستقلال، جوا مضطربا على المستويين الاجتماعي والسياسي، فقد أسهمت متغيرات انتقال الحكم، بعد وفاة محمد الخامس، في سقوط الكثير من الضحايا، نتيجة المعارضة القوية لليساريين الراديكاليين والمتورطين في الانقلابات العسكرية، ما استدعى تشييد العديد من السجون السرية في عهد الحسن الثاني، كانت مسرحا لشتى صنوف التنكيل والتعذيب.

وأحصت تقارير هيأة الإنصاف والمصالحة نحو ثلاثين معتقلا سريا إبان مغرب ما بعد الاستقلال. تسلط “الصباح” الضوء في هذه الحلقات على أشهر السجون التي أصبحت جزءا من الذاكرة الجماعية للمغاربة.

الدار تحولت بعد 1956 إلى مكان لتصفية الحسابات السياسية بين الأحزاب والتنظيمات المتصارعة

شهد المغرب في أواخر الخمسينات وبداية الستينات، العديد من السجون السرية التي أودت بحياة المئات من المناضلين لأسباب مختلفة، لكن يظل “دار بريشة” بتطوان أول معتقل في مغرب ما بعد الاستقلال.

وتقع “دار بريشة”، المعروفة كذلك بتسميات عديدة منها “جنان بريشة” و”عزبة بريشة”، في أعلى ما تبقى من جبل قديم بحي “المحنش” في تطوان، فهي ليست بقلعة على غرار باقي مراكز الاحتجاز بالمملكة، وإنما عبارة عن منزل يتكون من قبو وطابق سفلي وطابقين علويين، لكنه كان وكرا مخصصا للتعذيب والتعنيف الشديد في حق المعارضين.

وتعود ملكية “دار بريشة” إلى إحدى العائلات الفاسية الكبيرة، التي كانت تحظى بمكانة سياسية ومالية مهمة بعد الحصول على الاستقلال، ليجري بعدها استغلال المنزل في عمليات تعذيب الخصوم السياسيين لحزب الاستقلال، الذي كان يود احتكار السلطة لوحده، وكل من يقول “لا” للإيديولوجية التي يدعو إليها حزب علال الفاسي.

وتحولت الدار بعد 1956 إلى مكان لتصفية الحسابات السياسية بين الأحزاب والتنظيمات المتصارعة، ويتعلق الأمر بكل من حزبي الاستقلال والشورى والاستقلال، إذ فرض أتباع علال الفاسي رقابة شديدة على مناضلي حزب محمد حسن الوزاني، الذي كان ينافسهم على السلطة ويشكل تهديدا حقيقيا للحزب ذي الأصول الفاسية، لذلك أعلن عن حملة اعتقالات واسعة في حق خصومه السياسيين، الذين كان يجري تعذيبهم بالمعتقل السري.

ويحكي المهدي المومني التجكاني، في كتابه المعنون بـ “دار بريشة أو قصة مختطف”، عن الحملة التي قادها الحزب الذي يحمل شعار “المغرب لنا لا لغيرنا”، من أجل إضعاف الأحزاب المنافسة، ويضيف أنه نفذ العديد من الاغتيالات في حق مجموعة من المناضلين السياسيين، من قبيل محمد الشرقاوي وعبد الواحد العراقي، كما اختطف عبد القادر برادة وعبد السلام الطود واللائحة طويلة.

ويحكي بعض المعتقلين السابقين، في الشهادات التي استقتها هيأة الإنصاف والمصالحة، عن هول المعاناة والتعنيف الذي تعرضوا له طيلة فترة وجودهم بـ “دار بريشة”، إذ لم تكن لبعضهم أي ارتباطات بالحركة الوطنية والعمل السياسي بصفة عامة، وكان جرمهم الوحيد هو قربهم من لائحة المطلوبين لفائدة الحزب الفاسي، وفق تعبيرهم. ورغم كل ما روي عن المعتقل السري، تظل حقيقته مبهمة للجميع، بسبب عدم وجود أرشيف ومراجع موثوقة تؤرخ لما وقع داخل أسواره.

مصطفى شاكري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى