fbpx
وطنية

“ربـحـة ولا ذبـحـة”… لـغـة المـقـامـريـن

مولعون بالخيل يشتكون ظلم “جوني وإلكا” وآخرون حققوا حلم العمر

إقصاء ونبذ أسري وفقدان للكرامة ولمحبة أقرب المقربين، مصير من الممكن أن يشترك فيه مدمنو ألعاب الحظ والمراهنات، الذين تقودهم حماقة وحلم الثراء السهل والسريع، إلى التضحية بكل ما اكتسبوه طيلة حياتهم من مال وعائلة ووضعية اجتماعية. لكن في المقابل، تظهر حالات حققت من ألعاب الحظ، أحلامها، وتخلصت من عالم الفقر بعد أن دخلت عالم الثراء من أبوابه الواسعة.

“ربحة ولا ذبحة”
الكل ممسك بقائمة بيضاء مخططة بالأسود، كأنها شهادة حياة. يتشاورون حول الأرقام والخيل والعربات والكلاب، لكنهم يحرصون بعناية أن لا يرمق الواحد منهم الآخر عندما ملء الخانات. ورغم أن هناك مستشارين محترفين يجالسون مدمني اللعب، ويقدمون تقريبا النصيحة نفسها لكل واحد منهم حسب قوة الكلب أو الحصان وخبرة فارسه ، إلا أن اللعب لا يحلو دون شيء من  المخاطرة.
إن تشبث هؤلاء إلى آخر رمق في حياتهم باللعب، لا يأتي بدافع الإدمان فقط، وإنما الرغبة في تحقيق ما توصل إليه الكثير منهم خاصة الذين تغير مجرى حياتهم، ومنحهم اللعب نفسا جديدا في الصمود ومقاومة احتقار الآخرين.
فكما نقول بالعامية «ذبحة أو لا ربحة». فإذا كانت غالبية المراهنين تتعرض للذبحة، فإن البعض الآخر تمكن من تحقيق «الربحة» فترك اللعب بعد اغتنائه أو ظل متشبثا بما منحه بعض الحظ في حياة كان عنوانها البؤس والحرمان…

على عتبة الفقر
عبد الرزاق واحد من المراهنين المدمنين. يعتبره سكان الحي أذكى مراهن، فبعد ربحه لمبلغ يتجاوز40 مليون سنتيم، قرر الانقطاع عن الرهان بعد أن كان يعيش حالة الفقر المزرية، فبيعه للسجائر بالتقسيط، لا يفي بحاجيات أسرته المتكونة من خمسة أفراد وأم عجوز.
استطاع المبلغ الذي حصل عليه أن يساعده على اقتناء شقة في نفس الحي وشراء محل تجاري صغير حوله إلى “تيليبوتيك”، فقط لأنه اقتطع جزءا من دخله البسيط ليحوله إلى هذه اللعبة، رغم أن أصدقاءه كانوا ينظرون إليه بنوع من الأسى معتقدين أن حالة الإدمان هذه لن تفارقه أبدا.
يقول عبد الرزاق «كان الرهان بالنسبة إلي عملية تجارية، وكأني أوظف أموالا في مشروع ما، باعتبار أن احساسا قويا كان ينتابني ويؤكد لي أنني  سأجني أرباحي من هذا المشروع» مضيفا أن إدمانه على القمار يشبه عمل رجال الأعمال الذين يؤسسون شركة بأموالهم الخاصة، وهم لا يضمنون إطلاقا سيرها الشركة ولا حتى الربح ويضعون في حسبانهم الخسارة.
واسترسل قائلا «بعد كسبي الرهان» فاجأت الجميع بإمكانية الربح كما فاجأتهم بانقطاعي الكلي عن الرهان، وأكدت للذين كانوا يعتقدون أنه من المستحيل الابتعاد عن القمار، أنني تجاوزته بكل سهولة بعد أن حققت حلمي».
عكس عبد الرزاق، فحميد لا يعاني من الفقر، فهو يملك محلا لبيع أجزاء السيارات ومشاريع أخرى،  يقول إن اللعبة بالنسبة إليه مجرد تسلية نفسية من الصعب الاستغناء عنها، «جانب الترقب في هذه اللعبة (انتظار النتيجة)، هو ما يجعلني متعلقا بها، إلا أنني أقوم بتقنين رهاناتي ألا أتجاوز مبلغا محددا في الأسبوع»، مضيفا أن هناك جوانب أخرى لها تحفزه للعب، جلوس في المقهى بطقوسها المعتادة وقراءة الجرائد المتعلقة بالرهانات، وتبادل المعلومات مع المراهنين داخل المقهى وقراءة «البروكرام»، وحالات التوتر النفسي والانفراج، «كل هذه أمور تضيف معنى جديدا لحياتي، بالطبع أنا أنتظر يوما ما أن أربح».

مغرم بالخيل
كعادته، كل جمعة يتوجه عبد الكريم إلى مقهى الحي حيث يجد بعض أصدقاء اللعب الذين يتعاونون معه على ملء القسائم، التي سيشارك بها في الرهان على بعض سباقات يوم السبت.  فمنذ أزيد من 20 سنة وهذا الكهل المقبل على الستين من عمره مواظب على متابعة سباقات الخيل، والمشاركة في رهاناتها حتى ولو كلفه الأمر آخر درهم في جيبه، رغم أنها لم تنصفه بعد بفوز عظيم يعوضه خساراته المتتالية منذ زمن.
يدخل هذا المراهن المتمرس قائمة اللاعبين المدمنين على سباقات الحظ، فلا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يتوقف عن إهدار ماله ومدخرات زوجته وأولاده، في اللعب الذي امتزج بدمه وأصبح أساس حياته وكينونته. فقد فشلت جميع محاولاته ومحاولات عائلته، في جعله يكف عن اللعب وينهي مشاكله المادية الكثيرة التي تكاد تكلفه استقراره الأسرية، الذي أصبحت تتقاذفه حوافر «جوني وإلكا» في سباقات الإبودروم.
يقول الرجل: «يمر الناس من أمام المقهى أو من أمام بعض مكاتب المراهنة وينظرون إلينا باشمئزاز وشفقة، وكأنهم يرمقون المرشحين المقبلين على العذاب الإلهي بنار جهنم»، مضيفا أن زوجته وأولاده يحرصون على نقودهم ومجوهراتهم كلما دخل البيت، بل إنهم يقفلون على بعض الآلات الإلكترونية بالأدراج عندما يذهبون في زيارات عائلية «يحدث هذا رغم أنني عندما أحتاج لأي مبلغ مالي أطلبه منهم صراحة، لكنهم يعتبرونني مقامرا لا أستحق الائتمان أو الثقة».
ويضيف «أما إخوتي فمنهم من يقفل بابه في وجهي كلما فكرت في زيارتهم، أو يخبرون حارس العمارة بادعاء عدم وجودهم كلما حضرت، وكأنني مصاب بمرض معد ينصح بتجتنبه».

إيمان رضيف


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى