fbpx
ملف الصباح

العنبـي: مغاربـة يقدسـون الـدم

الباحث في علم الاجتماع أرجع بيع أسر لأثاث بيتها من أجل اقتناء الأضحية إلى اختلاط الدين بممارسات اجتماعية

ما إن تحل تباشير عيد الأضحى حتى تصبح الأسر المغربية أسيرة لهاجس الأضحية، إذ يظل الحمل الثقيل بالنسبة لمعظم الأسر خاصة منها الفقيرة والمتوسطة الدخل، هو كيفية اقتناء كبش العيد.
ورغم أن الإسلام دين يسر أعفى من لم يستطع إحياء السنة المؤكدة، إلا أن قدسية العيد الذي يطلق عليه المغاربة باللغة العامية “العيد الكبير” يجعل مجموعة من الأسر تضطر إلى بيع أثاث المنزل أو بعض الملابس أو الحاجيات الثمينة، لشراء كبش العيد، حيث تزداد معاناة رب الأسرة في ظل غياب دخل مادي مستقر، وغلاء المعيشة وارتفاع أسعار الأضاحي.

ورغم الإحراج الذي يسببه لجوء بعض الأسر إلى عرض أثاث البيت بالأسواق وفي الشارع العام، إلا أن توفير مبلغ مالي يغنيها عن التسول ويقيها شماتة الأعداء وسخرية الجيران، يجعل رب الأسرة يبيع ما يملك، كما أن الزوجة تضطر إلى التضحية بما ورثته من حلي عن أجدادها فقط من أجل شراء كبش العيد لإسعاد أطفالها وإحياء مناسبة “العيد الكبير” التي لا يملكون عنها بديلا.

وتعليقا على لجوء مجموعة من الأسر المغربية إلى التضحية بالغالي والنفيس بما فيها بيع أثاث المنزل وكل ما تملك من أجل شراء أضحية العيد، رغم أنها سنة مؤكدة لمن استطاع إليها سبيلا، قال عبد الرحيم العنبي، باحث في علم الاجتماع، إنه حينما يختلط النص الديني بالثقافة، فإنه يصبح من السهل إقناع المغاربة بخلاف ذلك.
وأوضح العنبي في تصريح ل”الصباح”، أن المغاربة أعطوا لهذا النص الديني مضمونا ثقافيا كان سائدا، وهو أن الدم له قدرة على التآخي، إذ لا يمكن للمغاربة أن يحافظوا على صلة الرحم وما شابه ذلك من علاقات والعلاقة بين الأبناء إلا بحضور الدم.

وأشار المتحدث نفسه إلى وجود مركزية الدم في صناعة الأخوة وفي صناعة الأبوة، إذ أن رب الأسرة لا يمكنه أن يكون رجلا إلا إذا اشترى هذه الأضحية وأسال الدم كباقي الرجال، وإلا ستكون هناك توترات بين الأبناء والأب، وبين الزوج والزوجة، وكذا بين الأبناء بعضهم البعض.

وأوضح الباحث في علم الاجتماع، أن مركزية الدم لدى المغاربة، تتجلى في أن المغاربة إلى يومنا هذا حينما يشيدون بيتا لا بد أن يذبحوا على عتبة المنزل، تحت مسمية “العتبة الجديدة”ّ، كما أنه إذا كانت هناك مناسبة فرح ما سواء تعلق الأمر بزفاف أو عقيقة فإنه يجب إقامة “الذبيحة”، وهو ما يظهر أن حضور الدم له ثقافة مركزية.

وأضاف أن كثيرا من العلاقات الأسرية تتوتر بين الأزواج بسبب عدم اقتناع الزوجة بحجم الخروف أو عدم القدرة على توفير الأضحية، وهنا يطغى الجانب الاجتماعي على الديني، والترسب الثقافي المتمثل في تقديس رمزية الدم في البناء الاجتماعي.

خطاب العيد

قال عبد الرحيم العنبي، الباحث في علم الاجتماع، إن الأضحية تؤسس لخطاب ما قبل العيد وخطاب ما بعده.
وأوضح العنبي أن خطاب ما قبل العيد، يتمثل في أن الموضوع المسيطر على تفكير الأسر المغربية يتمثل في نقاش “واش شريتي الأضحية، كيدير عيدكم ؟ شحال بقى للعيد ؟، وهذا هو النقاش الذي يتداوله المغاربة”، مضيفا أنه بعد العيد سيكون خطاب آخر، “عيدنا كان مزيان كيف طلعت دوارتكم أجي تاكلوا من عيدنا انجيو نذوقو من أضحيتكم …”.
واعتبر المتحدث نفسه أن العيد يؤسس لعلاقات اجتماعية، ومسألة إن كان العيد سنة مؤكدة أو غير مؤكدة لا تعني المغاربة، وإنما هذه العلاقات هي التي تهمهم، وذلك راجع إلى أن الدين اختلط بممارسات اجتماعية وثقافية، وبالتالي أصبحت هي التي تفرض نفسها.

تراتبية اجتماعية

كشف العنبي أن الحدث الديني الذي اختلط بثقافة مغربية قديمة ضاربة في التاريخ، يتحول إلى حدث اجتماعي، مضيفا “وهنا الجانب الاجتماعي ينبني بشكل كبير على الثقافات التي تراكم في المجتمع، فيصبح الحدث يؤسس لقيم الرجولة في بعدها الاجتماعي، إذ أن الشخص الذي لا يضحي ليس رجلا، وقيم الأسرة في بعدها الاجتماعي، إذ أن الأسرة التي لا تقيم أضحية العيد يتم إخراجها من دائرة الإسلام، وتتعر ض للانتقاد بالقول “حرام الإنسان واخا يعيد غير بدجاجة”، أي أن هذا الدم هو واجب ويؤسس للقيم الاجتماعية”.

وأشار المتحدث نفشه، إلى مسألة التباهي، إذ أصبحت الأضحية لدى مغاربة اليوم تؤسس لتراتبية اجتماعية، وكذا لعلاقات اجتماعية، وينتقص من قيمة فلان في الحي لأنه “ما ضحاش” ولم يشتر العيد، كما أن أبناءه يعيشون في نوع من الكآبة لأن أطفال الحي ينظرون إليهم على أنهم فقراء، وبالتالي يضطر رب الأسرة إلى بيع ما يملك من أثاث المنزل، إذ يهدم مقومات بيته لكي يبني ذلك الجدار الذي سيقيه من نظرة الناس وكلامهم.

وشدد العنبي على أن الميكانيزم الاجتماعي والنفسي، هو الذي يصبح حاضرا بقوة في تعامل المغاربة مع عيد الأضحى.

محمد بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى