افتتاحية

أزمات

لم يكن التزام المغرب بتحمل أعباء المهاجرين العابرين لترابه إرضاء للأوربيين، بقدر ما كان وفاء منه لانتمائه الإفريقي، إذ لن يتغير موقفه الداعم لشعوب القارة السمراء رغم تراجع بروكسيل عن وعود سابقة بدعم الرباط في مواجهة المد الجارف لنازحين نحو الشمال.
لكن سيصعب على المغرب تحمل أزمات جيرانه في الجنوب والشمال دفعة واحدة، خاصة بعدما بدأت تلوح في الأفق بوادر استقالة أوربية من مسؤولية تمويل حماية الحدود الجنوبية، إذ لم يتردد المجلس الأوربي في دعوة الدول الأعضاء إلى الإسراع في أداء مساهماتها في هذا الصندوق، والرفع منها، إذا أمكن، من أجل معالجة الأسباب الرئيسة لظاهرة الهجرة، مشددا على ضرورة وضع شراكة مع إفريقيا من أجل تحقيق انتقال سوسيو اقتصادي ملموس يقوم على مبادئ وأهداف كما حددتها بلدان القارة في أجندتها لسنة 2063.
وبالنظر إلى تنامي تدفق الهجرة على غرب المتوسط، قرر الاتحاد الأوربي دعما ماليا وبأساليب أخرى، لجميع الجهود المبذولة من قبل الدول الأعضاء، خاصة إسبانيا، وكذا البلدان المصدرة وبلدان العبور، وعلى رأسها المغرب، من أجل محاربة الهجرة غير الشرعية، من خلال إقرار إطار مالي متعدد السنوات يوفر آليات مرنة تمكن من صرف سريع للأموال المطلوبة. وفي ذلك دليل على وجود حاجة ملحة لوضع سياسة أوربية فعالة تمر بالأساس عبر مقاربة شاملة لظاهرة الهجرة، وتجمع بين مراقبة حقيقية للحدود الخارجية للاتحاد الأوربي، وعمل خارجي مكثف يستهدف بؤر البؤس التي يفر منها المهاجرون في إفريقيا وغيرها.
ولن تحتاج الحكومة إلى براهين لبيان أن المغرب يبذل مجهودا استثنائيا في مجال محاربة الهجرة السرية والاتجار بالبشر، فإحباط محاولات الهجرة السرية عرف تزايدا في السنوات الأخيرة، إذ انتقلت الحصيلة من 32 ألف حالة، إلى أزيد من 65 ألف محاولة، معظمها لأشخاص ينتمون إلى بلدان أخرى، ما يعطي للرباط حق المطالبة بتعاون قوي يقع فيه تحمل المسؤولية بكيفية مشتركة حتى يكون هناك دعم في مستوى المجهود المبذول.
المقاربة الشمولية وذات الأبعاد المتعددة والعمق الإنساني التي اعتمدها المغرب في مجال الهجرة، بعد تعزيز منظومته القانونية، تحتاج إلى عمل دؤوب في الميدان لمواجهة سطوة مافيا الاتجار في البشر، فرض طرح مبادرة خاصة على مستوى القارة الإفريقية ككل، وتم تبنيها باسم إفريقيا على المستويين العالمي والأممي، لكن لن يكتب لها النجاح إن لم ينخرط الشريك الأوربي في إطار “منظومة تقوم على تحمل المسؤولية المشتركة”، على حد تعبير الحكومة، في ختام مجلسها الأخير.
ورغم محدودية الإمكانات، لم يتبن المغرب سياسة الابتزاز، التي تفوح رائحتها من الحدود الشرقية، حيث نقلت منظمة العفو الدولية و”هيومن رايتس ووتش” معاناة اللاجئين والمهاجرين الأفارقة، مسجلتين أوضاع التمييز وفقدان الحقوق والانتهاكات المستمرة منذ إطلاق السلطات الجزائرية عمليات ترحيل جماعي بحق مهاجري دول جنوب الصحراء.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق