افتتاحية

نيران صديقة

د. خالد الحري
د. خالد الحري
حسنا فعل الديوان الملكي عندما تجنب الخوض في أسباب إقالة وزير الاقتصاد والمالية، رغم أن الأمر يتعلق بأهم منصب في الحكومة بعد الرئيس، وتغييره يحمل إشارات مفادها أن السياسة الحكومية العامة هي المقصودة، على اعتبار أن الشخص المعني بالبلاغ لا تتجاوز مهامه دائرة التنزيل التقني لمقتضيات الشق الاقتصادي والمالي من خارطة عمل تحدد معالمها في البرنامج الحكومي.
لم تسقط التفاصيل سهوا من بلاغ الديوان الملكي، وربما رجحت كفة السياسة على لغة الحيثيات من خلال الابتعاد عن الدخول في متاهة الأسباب التقنية، لأن البحث عن خطأ محدد سيسلط الضوء على تسربات قاتلة من مختلف قطاعات الحكومة ومؤسسات الدولة المنتجة للقرارات المالية السيادية، فلا يمكن القول إن بوسعيد تسبب في تزايد الدين العام أو جر الدرهم إلى بحر التعويم، ولا التغاضي عن امتحان الحفاظ على نسبة أكثر من مشرفة لمعدل النمو في ظل أزمة خانقة، وضعت الدولة أمام شبح شح السيولة بسبب ارتفاع أسعار البترول في الأسواق الدولية، ولولا ارتفاع عائدات السياحة وتحويلات مغاربة الخارج لكان الوضع أسوأ.
وبغض النظر عن تفسيرات وتحليلات المنقبين في ركام مخلفات الزلازل، أقيل وزير الاقتصادية والمالية من قبل الملك في بلاغ من فقرتين لم يتجاوز عتبة خمسين كلمة، ولم يخرج عن قاموس الدستور خاصة في الفصل 47، الذي ينص على أن للملك، بمبادرة منه، وبعد استشارة رئيس الحكومة، صلاحية إعفاء عضو أو أكثر من أعضاء الحكومة من مهامهم.
لكن ورغم قصره تضمن بلاغ الديوان إشارات سياسية إلى من يهمهم الأمر تنذر بما هو آت، عندما اعتبر الإقالة تأتي في إطار تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، الذي “يحرص الملك على أن يطبقه على جميع المسؤولين مهما بلغت درجاتهم، وكيفما كانت انتماءاتهم”.
وفي ذلك إحالة إلى ظرفية سياسية بالغة الحساسية، لم يتردد الملك في تصنيفها مرحلة صعبة يمر منها المغرب. وعوض العودة شهورا إلى الوراء وإثارة مسألة التأشير على المشاريع المتعثرة في الحسيمة، أو إعادة طرح أسئلة تحرير أسعار المحروقات، سيقدم السياق القريب معطيات من شأنها المساعدة على الفهم، ذلك أن القرار جاء عشية تداول أخبار عن مصادقة هيأة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي على صفقة تفويت شركة “سهام”.
لن نخوض في ما أحجم عنه الديوان الملكي، فقد تضيق دائرة الأسباب في كواليس السياسة، ويصبح الأمر مجرد تحصيل حاصل في مخاض تدبير إكراهات الحكومة الحالية، التي انتقلت إليها حرارة حروب اشتعلت جبهاتها داخل أحزاب الأغلبية، اقتداء بما وقع في “بيجيدي” حزب رئيس الحكومة، ويقع في الحركة الشعبية وقبلها بأشهر قليلة في التقدم والاشتراكية، … أتمنى ألا تسقط أحزاب الحكومة في فخ نيران صديقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق