ملف الصباح

مرجان: الاحتجاج والرفض مظهران لغياب الثقة

مرجان باحث علم الاجتماع قال إن الحذر والشك هما السائدان في تعاملنا اليومي

< بداية هل يمكن أن نحدد أو نعرّف عنصر الثقة من الناحية النفسية والاجتماعية؟
< الثقة بناء نفسي وسلوكي يتجلى بشكل مباشر في الاطمئنان لشخص ما والاعتداد به والاعتقاد في تصرفاته وأفعاله وكلامه ووعوده بشكل عام، وغالبا ما تقرن الثقة بفعل الإيمان بمعناه الديني إذ يقتضي الاعتقاد القوي والدفاع المنطقي بكيفية متواصلة عن الموضوع محل الثقة. والحقيقة انه يصعب وضع تعريف دقيق للثقة، لأنها من القيم الأكثر هشاشة وتنفلت في الغالب من التأطير العقلاني، فكيف نفسر مثلا الثقة، التي نمنحها على بياض، لبعض الأشخاص دون الآخرين؟

< وماذا عن الشق الاجتماعي؟
< الثقة بمعناها الاجتماعي هي عملية بناء لا يمكن حصولها إلا عبر عملية التنشئة الاجتماعية الرامية إلى غرس القيم و المبادئ والنماذج المثالية التي تجعلها متبادلة على ضوء النتائج الملموسة التي تحققها على صعيد الحياة الفردية و الجماعية.و اعتبارا للدور الهام للثقة وما يمكن أن تلعبه بالنسبة لتطور المجتمع، فإن اختلالها أو الأزمة التي قد تخترقها تفصح عن توتر و اضطراب حاصل ليس فقط في معنى الثقة و إنما في الوعي بأهميتها و ضرورتها بالنسبة لأي بناء سياسي أو اجتماعي.

< إلى أي حد يمكن القول إن هناك أزمة ثقة بين المواطن المغربي ومؤسساته وكيف نفسرها؟
< افتقاد المواطن للثقة في مؤسساته الاجتماعية (كالأسرة و الجماعة) والسياسية (الحكومة والبرلمان والأحزاب) لا يعبر عن الرفض الممارس تجاه هذه المؤسسات، ولكنه أيضا محاكمة قوية لعملها وممارساتها و لطبيعة علاقاتها مع المواطنين. فقدان الثقة يطبع كل المسارات الاجتماعية والعاطفية والجنسية، إلى درجة أصبحت فيه مقولات “الحذر” و”الشك” و”الريبة” هي الطاغية في تعاملنا اليومي. وتحولت القيم المثالية الممجدة لكرامة الإنسان والمؤمنة بسمو مكانته ورفعتها، إلى مجرد متحف قيمي يتم الرجوع إليه حينما تكون هناك حاجة لبناء خطاب مضلل. لا شك أن الجميع يدرك أن الثقة هي القاعدة الجوهرية للديمقراطية.

< تشكل علاقة المواطن المغربي بالسياسة مظهرا من مظاهر أزمة الثقة كيف يمكن تفسير ذلك؟
< الثقة في السياسة وسيلة لتحقيق الديمقراطية أصبحت محل شك عميق..بل أصبح تقريبا كل العاملين في الميدان السياسي لا يحظون بأي ثقة.و الصعوبة في هذا السياق بارزة في مستوى التناقض الحاصل بين رغبة السياسي و انتظارات المواطنين .بالنسبة لرجل السياسة تنجح الثقة في حالة التواصل السياسي القوي مع اكبر عدد ممكن من الناس(المد الشعبوي الذي يسعى للمقبولية المجتمعية )بينما تزداد هذه الثقة أو تنقص تماما لدى المواطنين ، بمقدار الإنجازات الممكنة للوعود و البرامج المتضمنة في الخطاب السياسي ،الذي يستعمل عادة لتحقيق ذلك التواصل.فالرغبة الموجودة لدى كل السياسيين في تحقيق التواصل والنجاح و التأييد ،تصطدم في الغالب بالتطبيق العملي و الإنجاز الواقعي لشروط هذا النجاح. هناك عوامل عدة لتفسير هذه الوضعية نذكر منها بالخصوص،التشابه أو التعايش بين السياسات المختلفة إلى درجة يستحيل معها الفصل أو التمييز بين ما هو يساري و ما هو يميني و ما هو إسلامي و ما هو ليبرالي، هذا التشابه لا يسمح تماما للمواطن لكي يختار بثقة تامة بين هذه السياسات مما يقلص فرص الإصلاح، ويدفع الناس لليأس والإحباط.

< ألا يتضمن الخطاب والفعل السياسيين المغربيين عوائق ذاتية تحول دون اكتسابهما عنصر الثقة؟
< كذلك ينبغي الانتباه إلى قضية أساسية تتعلق بالمسافة الضوئية القائمة بين الخطاب السياسي (لهذه القوى على اختلاف أشكالها) والانشغالات اليومية للمواطن الذي لا يعثر على ذاته في الإيديولوجيات الحزبية ولا في صراعاتها المتكررة. إنما الأمر الأكيد هو التساؤل المشروع عن طبيعة الثقة ووضعيتها التاريخية في مجتمعنا. هل يمكن اعتبار أزمة الثقة أزمة عابرة أم أنها أزمة بنيوية مستفحلة و منتشرة في كل مظاهر وتجليات حياتنا اليومية ؟هل تم التطبيع التام مع فقدانها و استبدالها بقيم بديلة على غرار الحيلة (الدهاء والمكر) والتي جعلها مكيافيللي في عصره من القيم الاجتماعية المهمة في تحديد الواقع السياسي؟
ولاشك أن موجة الاحتجاجات ومظاهر الغضب والرفض أصبحت لغة الجماهير الفاقدة للثقة وللمصداقية في المؤسسات السياسية أو في الأشخاص الذين يمثلونها،لكنها حتى في أقصى تعبيراتها غير قادرة على استرجاع هذه الثقة، لأن هذه الأخيرة كما قلنا تستعصي على أي برمجة.

في سطور:
ـ حاصل على دكتوراه الدولة في علم الاجتماع من جامعة محمد الخامس بالرباط.
ـ أستاذ علم الاجتماع الحضري بكلية الآداب جامعة ابن طفيل بالقنيطرة.
ـ من مؤلفاته كتاب “مقاربة سوسيولوجية لآليات التغير الاجتماعي بالمغرب”.
ـ له عدة مقالات منشورة في مجلات متخصصة في علم الاجتماع.

أجرى الحوار: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض