حوار

السلفيون بين التكفير والمراجعات الفكرية

منتصرحمادة  الباحث في الحركات الإسلامية أكد أن المراجعات داخل السجون تخلت عن “المراهقة الفقهية” والسياسية

يرى منتصر حمادة، الباحث المتخصص في الحركات الإسلامية، أن السجون المغربية تضم أتباع التيار الإسلامي التكفيري، على ندرتهم، وأتباع التيار السلفي، الذي يوصف إعلاميا وأمنيا بالتيار السلفي الجهادي، وأن أتباع «الشيوخ الثلاثة» لا يقدرون بالمئات، بحكم أن السجون تعج بتوجهات شتى، بعض أصحابها، وعبر بوابة العائلة، لم يترددوا في التوقيع على رسائل العفو الموجهة إلى الملك محمد السادس، دون أن يعلن عن ذلك رسميا،
والبعض الآخر يرفض التوقيع على رسائل العفو، معتقدا أنه غير مضطر للتراجع عن اتهامات غير معني بها. في ما يلي نص الحوار:

بدأ الحديث عن حل لملف السلفية الجهادية داخل السجون، هل ترى معي بصفتك متخصصا في الحركات الإسلامية أن السلفية الجهادية (كتعبير إعلامي) عبارة عن كتلة واحدة أم هناك تيارات عديدة داخل السجون؟
من المؤكد أن مصطلح «السلفية الجهادية» لا يمكن أن يسقط بالمطلق على مختلف المعتقلين أو السجناء الإسلاميين في الساحة المغربية، ويتراوح عددهم تقريبا اليوم، ما بين 800 و900 معتقل.
«السلفية الجهادية» في مجالنا التداولي الإسلامي المغربي، تكاد تكون إفرازا غير ثابت على المستوى التنظيمي، وحركة هلامية في الشكل، إضافة إلى أن «أدبيات» من يوصفون إعلاميا برموز التيار، لا ترقى لأن تكون في مستوى تنظيرات «جهاديي» مصر (سيد إمام عبد العزيز مثلا) والسعودية (علي الخضير مثلا)، وإنما تعتمد عليها في بعض الأدبيات.

كما أنه بخلاف الحالة المشرقية، حيث نجد أنفسنا أمام تنظيمات «سلفية جهادية»، بالأدبيات والتنظيمات، ويمكن العودة في هذا الصدد إلى ما صدر عن أبي مصعب السوري (المحسوب على تنظيم «القاعدة»)، أو أعمال الباحث الأردني أكرم حجازي أو الباحث المصري هاني نسيره، فالأمور تختلف كثيرا في المغرب، إذ انتقل استعمال هذا المصطلح (السلفية الجهادية) من التناول الإعلامي إلى التناول الأمني، خاصة بعد صدمة اعتداءات الدار البيضاء الإرهابية، التي عجلت بخروج المغرب من «الاستثناء الإسلامي الحركي»، وسوف يدقق حينها، في ما يميز خطاب السلفية الجهادية عن خطاب باقي التيارات السلفية، التي كانت وما زالت توصف بأنها سلفية علمية أو سلفية تقليدية. ويأتي هذا التمايز في ثنائية الحاكمية والجهاد، تأسيسا على الأدبيات المشرقية تحديدا التي صدرت عن أبي الأعلى المودودي وسيد قطب، وتأسيسا على الخصوص على ثنايا موسوعة ضخمة حررها أبو مصعب السوري (واسمه الحقيقي عمر عبد الحكيم)، وتحمل عنوان «دعوة المقاومة الإسلامية العالمية»، وهي موسوعة صدرت في دجنبر 2004، وتضم 1604 صفحات، ولا يمكن لمن يزعم التصدي لأدبيات السلفية الجهادية محليا أو عالميا أو أدبيات تنظيم «القاعدة»، أن ينخرط في تفكيك الخطاب الإسلامي «الجهادي»، دون التوقف الاضطراري والحتمي عند هذه الموسوعة وهذه مهام فقهاء وعلماء المجال التداولي الإسلامي. ولا توجد حتى اليوم أي دراسة فقهية نقدية لهذه الموسوعة.

بالنسبة إلى السياق المغربي، فإن السجون المغربية تضم بالطبع أتباع التيار الإسلامي التكفيري، على ندرتهم، وأتباع التيار السلفي، الذي يوصف إعلاميا وأمنيا بالتيار السلفي الجهادي، ولو أنهم يرفضون أن يطلق عليهم هذا اللقب أو الصفة، مفضلين صفة «معتقلي الرأي والعقيدة»، وضمنهم، نجد من اصطلح عليهم بمشايخ التيار الذين أطلق سراحهم، أخيرا، وهم على الخصوص الثلاثي عبد الوهاب رفيقي (الملقب بأبي حفص)، والشريف حسن الكتاني (سليل عائلة ثرية، وابن الراحل، علي المنتصر الكتاني، أحد أبرز المتخصصين في ملف الأقليات الإسلامية وصديق حميم للراحل عبد الكريم الخطيب)، وعمر الحدوشي، أحد أبرز الأقلام السلفية إنتاجا وفصاحة وتكوينا.
أتباع هؤلاء «المشايخ الثلاثة» لا يقدرون بالمئات، بحكم أن السجون تعج بتوجهات شتى، بعض أصحابها، وعبر بوابة العائلة، لم يترددوا في التوقيع على رسائل العفو الموجهة إلى الملك محمد السادس، دون أن يعلن عن ذلك رسميا، والبعض الآخر يرفض التوقيع على رسائل العفو، معتقدا أنه غير مضطر للتراجع عن اتهامات غير معني بها أصلا، وهناك أعضاء وجدوا أنفسهم في دوامة ملف أكبر منهم، وأصبحت لديهم قابلية للانخراط في مشاريع المراجعات التي يُعلن عنها وعلى استحياء، بين الفينة والأخرى.

خلال السنوات الأخيرة قام بعض شيوخ السلفية الجهادية بما يسمى بالمراجعات الفكرية، فعلى أي أساس تمت؟ هل تعبر عن  تراجع عن خط سياسي داعم لتنظيم القاعدة أم مست منظومتهم الفكرية ؟
ثمة فوارق جوهرية بين الحديث عن مراجعات فقهية مسّت الساحة المشرقية (في مصر على الخصوص، وبدرجة أقل في السعودية وليبيا واليمن والأردن)، والمراجعات التي يُروج لها في الساحة المغربية، لأننا بداية، لم نكن إزاء حركات إسلامية «جهادية» ذات ثقل تنظيمي، ولا أمام أدبيات فقهية مرجعية في التنظير للخطاب الجهادي أو التكفيري، إضافة إلى أن الأسماء التي أصبحت تعرف أمنيا وإعلاميا ب»رموز السلفية الجهادية» بالمغرب، باستثناء حالة الشيخ محمد الفيزازي، باعتباره الرمز الأبرز للجيل الأول من «السلفية الحركية» أو «السلفية الجهادية» بالمغرب، ومعه عبد الكريم الشاذلي، تبقى حديثة السن، مقارنة على الأقل مع رموز «الجماعة الإسلامية» ومراجعات «الأب الروحي» السابق لأيمن الظواهري، سيد إمام عبد العزيز في مصر مثلا، أو «شيوخ التكفير» في السعودية، خاصة منهم الشيخ علي بن خضير الخضير والشيخ ناصر الفهد والشيخ أحمد الخالدي.
نجد ضمن هؤلاء، من رموز الجيل الثاني، عمر الحدوشي (مزداد في 1970)، وحسن الكتاني (مزداد في 1972) وعبد الوهاب رفيقي، الملقب بأبي حفص (مزداد في 1974)، وهذا عين ما توقف عنده شيخ «الأفغان المغاربة»، أبو حذيفة، وهو أب عبد الوهاب رفيقي، وأحد أبرز «الأفغان المغاربة» ممن شاركوا في الحرب الأفغانية الأولى ضد الغزو السوفياتي، عندما أشار إلى أن «تيار السلفية الجهادية، ليس تنظيما أو جماعة، وإنما هو مجموعة تصورات تخص أفرادا بعينهم، ويحصل أن تجتمع مجموعة من الأفراد على أحد هذه التصورات، ثم سرعان ما يؤسس فرد من هذه المجموعة مجموعته الخاصة».
ولكن التقليل من أحقية الحديث عن «مراجعات» في الحالة المغربية، لا يحول دون إدراج التطورات التي طالت مواقف أهم رموز تيار «السلفية الجهادية»، في إطار خيار «المراجعة» أو الإقرار بالسقوط في «مسالك ضيقة وأخطاء قاتلة»، كما نقرأ في الوثيقة المرجعية الصادرة عن عبد الوهاب رفيقي، وجاءت تحت عنوان «أنصفونا»، والتي قدمها «منتدى الكرامة» في مارس 2010، ونتذكر أن عبد الوهاب رفيقي أصدر نداء إلى «شباب الأمة» من المعتقلين السلفيين، يحثهم على إدانة الأعمال التخريبية عقب أحداث 11 مارس 2007.
ضمن مشروع «المراجعات» نجد أيضا، مبادرة علي العلام، أحد رموز الجيل الأول من «الأفغان المغاربة»، والذي دعا في عام 2007 إلى تأسيس تيار «السلفية الحركية»، وسبق أن راسل المسؤولين في السجون المغربية بخصوص ملف المراجعات، مطالبا بالسماح بإدخال جريدة الشرق الأوسط اللندنية لأنها كانت تنشر حلقات كتب مراجعات الجماعة الإسلامية، كما طالب أيضا بإدخال كتاب «تفجيرات القاعدة: الأخطاء والأخطار»، واعتبره «كتابا منصفا، لأنه أهم رد قامت به حركة إسلامية ضد القاعدة».
وهناك أيضا، «مراجعات» حسن الخطاب، المدان بتهمة تزعم خلية «أنصار المهدي»، عندما أعلن عن تبني مبادرة تحمل شعار «المناصحة والمصالحة»، وتروم دعوة المعتقلين السلفيين لـ»عدم تكفير المجتمع والمسلمين بغير موجب شرعي»، كما أصدر كتابا نشر عبر حلقات في إحدى الأسبوعيات المغربية، ويحمل عنوان «الكواشف الجليّة في تحريم قتال الشعوب العربية»، ويمكن أن نضيف أيضا، دراسة لحسن الكتاني، تنتقد المنظومة السلفية الوهابية في نسختها النجدية، أي النسخة الأكثر تشددا.
كنا من قبل، وعلى لسان بعض هذه الرموز، نقرأ تصريحات إعلامية تؤكد مثلا على أن «التأييد هو ما يجمع شيوخ المغرب بتنظيم القاعدة وليس الانتماء إلى التنظيم»، وأن «ضرب أمريكا واجب شرعي»، وأن «نصرة تنظيم القاعدة فرض على كل المسلمين»، وأصبحنا اليوم نقرأ تصريحات مضادة، تعتبر تراجعا عن التصريحات السابقة، وتأكيدا لتبني أغلب المعتقلين السلفيين مشروع المراجعات عن مرحلة سبق أن وصفناها في دراسة سابقة بأنها لم تخرج عن دائرة «المراهقة الفقهية» و»المراهقة السياسية» في آن.

لاحظ المتتبعون، مباشرة بعد مقتل أسامة ابن لادن، خفوت صوت السلفيين بالمغرب؟ فهل الأمر يقتصر على إيمانهم بفشل مشروع القاعدة في مواجهة ما سمي بالاستكبار أم هو تدبير مرحلي لما بعد مقتل أسامة؟
خفوت صوت السلفيين بالمغرب سبق منعطف مقتل أسامة بن لادن، لقد بدأت أولى معالمه مع صدمة اعتداءات الدار البيضاء في 16 ماي 2003. ومعلوم أنه قبل هذا المنعطف، كان الرأي العام المغربي يتابع صدور تصريحات مثيرة لبعض رموز هذا التيار، أو بعض المحسوبين عليه، من قبيل التصريحات المؤيدة علنا أو خلسة لتنظيم «القاعدة»، قبل أن تنقلب الأمور رأسا على عقب مباشرة بعد التدخل الأمني للحد من التفرعات التنظيمية للتيارات السلفية، سواء تفكيك خلايا سلفية أو اعتقال أتباع سلفيين.

في السياق ذاته، تراجع الفكر التكفيري للسلفيين الذين أطلق سراحهم من السجون بشكل واضح ؟ فإلى أي مدى يمكن الحديث في وجود تيارات سلفية مازالت تؤمن بهذا الخطاب، مثل حركة التكفير والهجرة مثلا؟
صحيح أن الخطاب السلفي التكفيري تراجع بشكل جلي بالنسبة إلى السلفيين الموجودين داخل وخارج السجون، لاعتبارات عدة، منها ما هو أمني، بحكم أن الأمر يندرج في جني ثمرات المقاربة الأمنية الصارمة، ومنها ما هو عقدي ومذهبي وفكري، أي بسبب صدور مراجعات تلقائية عن رموز وأتباع هذا التيار، وهذا ما نطلع عليه جليا مثلا في ثنايا وثيقة «أنصفونا» التي حررها عبد الوهاب رفيقي، أو في المبادرة السلفية التي أعلنها، أخيرا، بخصوص تأسيس «الحركة السلفية المغربية من أجل الإصلاح»، وأيضا، الخروج المتكرر للشيخ محمد الفيزازي ودعوته الصريحة لتأسيس حزب سياسي، لا  ينافس بالضرورة حزب «العدالة والتنمية»، ولكنه، يستقطب أصوات الناخبين الذين فشل «العدالة والتنمية» في استقطابهم.

سبقت الإشارة إلى وجود سلفيات، إن صح التعبير، داخل السلفيين، والمغرب عرف السلفية الوهابية ثم السلفية الجهادية، وأخيرا السلفيين الإصلاحيين، فهل هو تيار فكري ينهل من منبع واحد أم تقاسم للأدوار؟
يجب التذكير بأن القاسم العقدي المشترك بين أغلب الحركات الإسلامية المغربية، لا يخرج عن الإبستيم السلفي الوهابي، مع فارق أن هذا القاسم يبقى رخوا (soft) لدى التيار المعتدل وصلبا (hard) لدى التيار المتشدد، بالصيغة التي تجسدت مثلا في بعض التصريحات الصادرة عن رموز سلفية مغربية قبل صدمة اعتداءات الدار البيضاء، والتي تطرقنا إليها سابقا.
نحن إزاء حركات إسلامية وتيارات سلفية تنهل من منبع واحد، كما جاء في صيغة السؤال، ولكن هذا المنبع، (السلفية الوهابية)، يتعرض اليوم لنوع من المغربة والتقويض، سواء عبر مشروع حركة «التوحيد والإصلاح» التي حصلت على اعتراف رسمي، وأصبحت بعض قيادات وقواعدها تعمل داخل بعض المؤسسات الدينية الرسمية (المجالس العلمية المحلية مثلا)، أو عبر دلالات تأسيس «الحركة السلفية المغربية من أجل الإصلاح»، ومعها سعي الشيخ محمد الفيزازي لتأسيس حزب سياسي.
صحيح أن القاسم السلفي الوهابي لأغلب هذه الحركات الإسلامية والتيارات السلفية يفرض مجموعة من التحديات العقدية والمذهبية والسلوكية على صناع القرار، بالنظر إلى خصوصية التدين المغربي عبر التاريخ، وهي الخصوصية التي لخصها نظم شهير لابن عاشر: «في عَقْد الأشعري وفقه مالك.. وفي طريق الجُنيد السالك»، لولا أننا نلاحظ رهانا للمسؤولين على تدبير الشأن الديني والأمني، بخصوص إدماج الإسلاميين والسلفيين الذين ينهلون من مرجعية سلفية وهابية في بعض المؤسسات الدينية، في إعادة إنتاج لتجربة إدماج إسلاميي «التوحيد والإصلاح» في اللعبة السياسية، أي الرهان على تليين المواقف العقدية والمذهبية لجميع هؤلاء، بحكم الانصياع لإغراءات ومقتضيات الانخراط في العمل المؤسساتي الشرعي، الذي يتطلب القبول باحترام لائحة من الثوابت الدينية.

المـراجـعـات والـربـيـع الـعـربـي

جاءت الصدمة الكبرى التي ستعجل بمراجعة السلفيين المغاربة، من المحسوبين على التيار الحركي (بتعبير علي العلام)، أو التيار “الجهادي”، بعد اندلاع أحداث “الربيع العربي”، والذي نحسب أنه يتجه لأن يصبح ربيعا سلفيا وهابيا، بالصيغة التي تتجلى ميدانيا في ليبيا وتونس ومصر، إذ اتضح أن أحلام قيادات تنظيم “القاعدة” بخصوص القضاء على بعض الأنظمة العربية، أو على الأقل بعض هذه الأنظمة، تمت عمليا دون اللجوء إلى الخيار الإسلامي “الجهادي”، وإنما عبر خروج عفوي وسلمي للشارع التونسي والمصري والليبي، وهو الخروج الذي سمح للتيار السلفي المصري، ممثلا على الخصوص في سلفيي الإسكندرية، بتأسيس حزب النور، الذي احتل الرتبة الثانية، وحصد ما يناهز 24 في المائة من أصوات الناخبين في أول انتخابات تشريعية تلت تنحي الرئيس حسني مبارك، وبالتالي يصعب الجزم أو حتى التلميح بأن خفوت صوت السلفيين المغاربة، مرتبط بتدبير مرحلي لما بعد مقتل أسامة بن لادن، ويكفي في هذا الصدد، متابعة مواقف وتصريحات الشيخين محمد بن عبد الرحمان المغراوي ومحمد الفيزازي.

تـسـويـة مـلـف المعتـقلـيـن السـلـفـيـيـن

مازالت تيارات سلفية تؤمن بالخطاب التكفيري، مما يحيلنا على الوجه الآخر للمقاربة الأمنية الصارمة، والتي يصفها الإسلاميون المغاربة عموما بـ»المقاربة الاستئصالية»، ونتحدث بالتحديد عن أوضاع تيار سلفي متشدد في السجون المغربية، لا يجسد أغلبية، ولكن بعض أعضائه، كانوا إلى وقت قريب من أتباع التيار السلفي المهادن، والبعيد عن تبني الخطاب التكفيري أو المتشدد، ولكن الجمعيات الحقوقية، تؤكد أن خطاب بعض المعتقلين اتجه نحو المزيد من التشدد بفعل صرامة المقاربة الأمنية.
وعموما، من المؤكد أن تسوية ملف المعتقلين السلفيين، تتداخل فيها معطيات أمنية وحقوقية واجتماعية، دينية، والإحالة هنا على أدوار الفقهاء والباحثين والمعنيين بتسوية الملف بشكل نهائي.

المـؤسـسـة المـلـكـيـة

سواء تعلق الأمر بالحركات الإسلامية (ونحن نستثني مجددا موقف جماعة العدل والإحسان)، أو التيارات السلفية، بما في ذلك التيار السلفي المعتقل في السجون، والطرق الصوفية، فإن جميع هؤلاء، وبخلاف ما جرى في الأوضاع التونسية والمصرية والليبية، يعلنون عن تأييدهم للمؤسسة الملكية، بما يخول لصانعي القرار التعامل مع هذا الطيف الإسلامي والسلفي والصوفي، بمثابة «احتياط ديني استراتيجي» يغذي مشروعية مؤسسة إمارة المؤمنين، ويضمن المزيد من الاستقرار للسلم الاجتماعي، ويجسد دعامة دينية لمسلسل الإصلاح العربي، في نسخته المغربية، بالصيغة التي جسدها فوز حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التشريعية، وتصويت التيار السلفي على «العدالة والتنمية»، وتفكير الشيخ محمد الفيزازي في تأسيس حزب سياسي، والولادة الرسمية المرتقبة للحركة الإسلامية المغربية من أجل الإصلاح.

الـسـلـفـيـة فـي المـغـرب ومـصـر

حدود التقاطع بين السلفية المغربية والسلفية في المشرق، يوجزها النهل من المرجعية السلفية الوهابية، وحدود الولاء العقدي والمذهبي وأحيانا المادي لجهات نافذة في الخليج العربي.
أما عن تأثر التيار السلفي في المغرب بالتجربة السلفية المصرية، فلا يخرج حتى الآن عن المستجدات الميدانية المنتظرة من مشروع سلفي حديث التأسيس، وما زال في مرحلة جنينية، ويحمل عنوان «الحركة السلفية المغربية من أجل الإصلاح»، ويروم التأسيس لمشروع سلفي إصلاحي، قد يمهد لتأسيس حزب سياسي، وتكرار تجربة حزب النور السلفي، وإذا ما تم ذلك، فقد يكون مقدمة ميدانية تساعد صناع القرار في التسريع بتسوية ملف المعتقلين السلفيين، وتوفير هذا الإطار الدعوي والسياسي، موازاة طبعا مع مشروع الشيخ الفيزازي، لما يشبه ضمانات مادية عند المسؤولين بخصوص مساعدة المعتقلين السلفيين في حال الإفراج، والتسريع بإدماجهم في الحياة المجتمعية.

حركات إسلامية مغربية  جديدة

تقف التفاعلات المغربية لأحداث «الربيع العربي»، وراء الدفع بأغلب الحركات الإسلامية والتيارات السلفية والطرق الصوفية في المغرب، لأن تبدي وتعلن عن مواقفها الصريحة والمسؤولة مما يجري، وتحديدا من مطالب الشارع المغربي مُجسدة على الخصوص في الشعارات التي رفعتها حركة 20 فبراير والتي كانت تنهل إيديولوجيا في البداية من مرجعية يسارية، وهكذا انخرطت جماعة العدل والإحسان متأخرة في الحراك المغربي، وبدرجة أقل تيار شبابي من حزب العدالة والتنمية، عبر بوابة حركة «باراكا»، لولا أن هذه الحركة متحكم فيها عمليا من قيادات حزب «العدالة والتنمية»، إضافة إلى أن رئيسها موظف في المؤسسة التشريعية، وبالتالي لم تشكل هاجسا ميدانيا بالنسبة للمسؤولين.
تختلف الأمور مع باقي الطيف الإسلامي المغربي، ومعه الطيف السلفي والصوفي، حيث خرج الصوفيون، وخاصة الطريقة القادرية البودشيشية للشارع، من أجل التعبير عن مساندتهم غير المشروطة للمؤسسة الملكية ومعها مؤسسة إمارة المؤمنين، كما رفضت حركة «التوحيد والإصلاح»، ومعها حزب «العدالة والتنمية» النزول للشارع، أما التيار السلفي، فقد تميزت مواقفه عن مواقف البودشيشيين و»التوحيد والإصلاح»، وتجلى ذلك على الخصوص في مواقف الشيخ المغراوي العائد من السعودية، والذي رخصت له السلطات الإدارية بإعادة فتح دور القرآن، وأيضا، عبر مواقف الشيخ محمد الفيزازي، والتي تكاد تتطابق مع مواقف حركة «التوحيد والإصلاح»، ليس فقط بسبب القاسم الإبستيمي المشترك بين الطرفين، ولكن أيضا، بسبب إيمان الفيزازي وقيادات «التوحيد والإصلاح» ونضيف معهم أغلب الطرق الصوفية المغربية، بأن المرجعية الإيديولوجية لحركة 20 فبراير، سواء تعلق بالمرجعية اليسارية أو الإسلامية (على الأقل، قبل خروج جماعة «العدل والإحسان» من الحراك)، تساهم في تقويض المرجعية الدينية للمؤسسة الملكية، وهذا خط أحمر عند أغلب الإسلاميين والسلفيين والصوفيين بالمغرب (باستثناء طبعا جماعة «العدل والإحسان»).

أجرى الحوار: خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق