الصباح الـتـربـوي

مدرستي الحلـــــوة: عمـر بن عبـد العـزيـز ابـن “المرابطين”

عمر بن عبد العزيز ابن المرابطين. ليس ثمة خطأ تاريخي، لأن الأمر لا يتعلق هنا بثامن الخلفاء الأمويين، وخامس الخلفاء الراشدين، عبد العزيز بن مروان بن الحكم، بل بمدرسة خرجت من رحم أخرى. مدرسة المرابطين، الشهيرة بنيابة إنزكان أيت ملول، أنجبت، منذ سنين، مدرسة سميت “عمر بن العزيز”. ومدرسة “المرابطين” هذه لي معها قصة طويلة، سأروي هنا بعضا من تفاصيلها، فهي مهد دراستي الابتدائية وفيها خطوت، مع ثلة من أبناء جيلي، وأغلبهم من قاطني حيي الموظفين ومسدورة، أولى خطوات التعلم، وفيها صقلنا مواهبنا وتتلمذنا على أيدي معلمين لهم كبير الفضل في ما وصلنا إليه.
كان عمري يقل عن ست سنوات، حين قرر الوالد إلحاقي بالتعليم الابتدائي الرسمي، بـ “تواطؤ” حميد مع معلمي الأول، سي محمد الحاحي، فقيه “المسيد” الذي لمس في القدرة على مسايرة الدروس الابتدائية، رغم سني الذي لم يكن يسمح لي، حينها، بولوج المدرسة رسميا، أي سبع سنوات كاملة.
كتب سي محمد الحاحي إشهادا يقر فيه بـ “أهليتي”. وبدعم من مدير المؤسسة، الذي كان صديق العائلة، استطعت إيجاد مكان لي بين تلاميذ “التحضيري”، شرط أن أدرس السنة الأولى بصفة “مستمع”. غير أن التلميذ “المستمع”، الذي كنته، استطاع أن يتفوق على التلاميذ “الرسميين” في الخط والحساب والتلاوة والقرآن، فكان أن حصلت على أعلى معدل في القسم، لتستمر المغامرة خمس سنوات كاملة بين حجرات الدرس في مدرسة “المرابطين”.
مازلت أذكر أننا درسنا، على غير العادة، عند معلمين اثنين في القسم “التحضيري”، لأن المعلم الأول، وأظن أن اسمه الشخصي “العربي”، اعتقل، مباشرة بعد انطلاق الموسم الدراسي، بسبب إضراب عن العمل شنه المعلمون، في تلك السنة من سنوات نهاية السبعينات. لم أعد أتذكر من هذا الإضراب غير الصخب والضجيج اللذين رافقاه، وتوقف الدراسة، وتغيير المعلم بآخر. كان المعلم الجديد يخصص أغلب الحصص الدراسية للألعاب والأشغال اليدوية، وكنا نجد في ذلك متعة ما بعدها متعة.
ما أذكره أيضا من سنتي الأولى ابتدائي، تلميذ نجيب اسمه “عبد الحميد أسكور”، الذي سيكون زميلا لي في قسم الباكلوريا بثانوية “الحسن بن محمد الخياط”، بعد أن تفرقت بنا السبل مدة 12 سنة.
في السنة الثانية، التي كانت تسمى “الابتدائي الأول”، درست عند المعلم أحمد هباش، رحمة الله عليه. كان لا يفارق جلبابه التقليدي ونظارتيه الطبيتين. معه تلقينا أول درس في التاريخ عن “سكان المغرب الأولين”. لم نكن، آنذاك، نفرق بين البربر وغيرهم. كنا نحفظ عن ظهر قلب ولا نسأل.
ميزة المعلم هباش أنه لم يكن يتوانى في استعمال العصا، بمباركة من الآباء.
كانت المدرسة تسير بيد من حديد، ولم تكن السطوة والكلمة الفصل عند المدير، فقد كانت مساعدته، التي يلقبها الجميع بـ “المديرة”، الآمرة الناهية. كانت تتجول في الساحة بجلبابها التقليدي ونقابها الذي لا يظهر غير عينيها الثاقبتين، في حرص كبير على “النظام العام”. كانت تقوم بمهام الحارس العام والمدير والحارس و”مخزني” الساحة. كانت صلة الوصل بين الآباء والمعلمين. هؤلاء لم يكونوا يخالفون لها رأيا، ويأتمرون بأمرها. مازلت أذكر أنها، على امتداد سنواتي في الابتدائي، كانت دائمة الحضور، لتتدخل في كل صغيرة وكبيرة، بدءا بتوزيع التلاميذ على الأقسام، عند انطلاق الموسم الدراسي، وانتهاء بالإشراف على حفل توزيع الجوائز، نهاية السنة.
حفلات توزيع الجوائز على المتفوقين لي معها قصة طريفة. عندما كنا في القسم الرابع، أو “المتوسط الأول” كما كان يسمى حينها، حضرت، رفقة بعض أفراد العائلة، إلى المدرسة، ذات مساء، لتسلم الجائزة، وكنت الأول في القسم، غير أنني غبت فجأة، وظل المعلم المكلف ينادي باسمي مرات ومرات دون جدوى. احتار أفراد الأسرة في أمري، وظنوا أن مكروها قد حصل لي. لكن، حين عادوا إلى البيت، فوجئوا عندما لمحوني ألعب الكرة مع الأصدقاء، وأخبرتهم أني لم أستطع الصعود في المنصة لأن أقارب أحد زملائي، وكان اسمه “رشيد باغي”، كانوا يبحثون عني بعد أن أشبعته ضربا ورميت في عينه حفنة من التراب، ففضلت أن أغيب عن الحفل، وتكلف الأهل بتسلم الجائزة نيابة عني.
تلك شذرات مما استطاعت ذاكرتي تجميعه من ذكريات خمس سنوات من الزمن الجميل، أستعيدها كلما مررت أمام المدرسة عندما أزور بيت العائلة، رغم أني تألمت كثيرا، حين تم تقسيم المدرسة، التي كان لها شأن كبير بالمدينة، إلى شطرين، فشاءت الأقدار أن يخرج “عمر بن عبد العزيز” من رحم “المرابطين”، كما خرج منه أساتذة ودكاترة ومحامون وقضاة وصناع وتجار، كل يبلي البلاء الحسن من موقعه.

عبد الله نهاري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق