fbpx
الأولى

سوء الفهم

د. خالد الحري
د. خالد الحري
مرت سنة على الخطاب الملكي “المزلزل” حول أعطاب الإدارة العمومية وتقييم أداء الأطر ورجال السلطة والموظفين العموميين، ومسؤولية هذه المؤسسات في تعطيل المشاريع التنموية والتباين في النهوض بالبنية التحتية وإبطاء تيسير الخدمات المقدمة للمواطنين ورجال الأعمال والمستثمرين، المغاربة والأجانب، على حد سواء.
ولاحظ الجميع كيف تفاعلت بعض الإدارات والمؤسسات العمومية وشبه العمومية، في الأيام الأولى، مع مضمون الخطاب الملكي، ودعا المسؤولون ومديرو الإدارات إلى اجتماعات عاجلة للدراسة والتقييم وبحث الإجراءات ووضع آليات جديدة لتطوير العمل والانفتاح على المرتفقين والإنصات لهم وتلبية انتظاراتهم، دون أن يؤدي ذلك إلى أي نتيجة، فعادت “حليمة إلى عادتها القديمة”.
أكثر من ذلك، وعوض أن يتعاطى موظفون ورجال سلطة ومسؤولون إداريون بإيجابية مع التوجيهات الملكية الصارمة، فضل عدد منهم النكوص إلى الوراء والاختفاء وراء مهام إدارية روتينية تفتقد إلى الفاعلية والنجاعة، خوفا من شبح “الخطأ” الذي قد يؤدي مباشرة إلى المحاسبة والعقاب في شكل عزل أو تنقيل أو إعفاء، أو متابعة قضائية.
وبسبب غياب التربية الإدارية والنقص الحاد في قيم المواطنة، فهم بعض المواطنين والمرتفقين والمستثمرين أن الخطاب الملكي انتصر لهم ضد “أعداء” اسمهم الموظفون ورجال السلطة، إذ أضحى عدد كبير من الإدارات والمقاطعات والباشويات والقيادات والجماعات مسرحا لمشاحنات وملاسنات، يسقط فيها، كل يوم، الاحترام الواجب للموظف أثناء أداء عمله.
فلم يكن أكثر المتشائمين يعتقد أن الحديث عن أعطاب الإدارة العمومية والشروع في تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، سيؤدي إلى نتائج عكسية:
فمن جهة، التراجع الملاحظ في أداء الموظفين، خوفا من العقاب، إذ يسود نوع من الاعتقاد أن من يعمل كثيرا يخطئ كثيرا ويكون، أكثر من غيره عرضة للعزل والعقاب والتنقيل.
من جهة أخرى، انهيار ما تبقى من جسور الثقة بين المواطن والموظف العمومي، أو بين المرتفق والإداري، إذ أصبح كل واحد ينظر إلى الآخر بمثابة عدو، وليس شريكا.
ومن جهة ثالثة، سجلت حالة من الجمود والبلوكاج غير المعلن بأغلب الإدارات العمومية، إذ يشتغل عدد كبير بأقل جهد ممكن، في أجواء من التذمر واليأس، ما قد ينعكس على النشاط الاقتصادي والإداري العام للبلد.
لا أحد يجادل، اليوم، في أهمية الخطاب الملكي ومضامينه التي كشفت الأعطاب ووضعت الأمراض على طاولة التشريح والعلاج، لكن ينبغي أن نقر، أيضا، أن تفعيل التوجيهات الملكية لا ينبغي أن يقتصر على إجراءات واجتماعات محدودة أمام عدسات الكاميرات لذر الرماد في العيون، بل يحتاج إلى عمل تربوي وبيداغوجي وقانوني جبار ومتواصل مبني على قناعات راسخة بأهمية الإدارة في بناء النموذج التنموي الجديد بالمغرب، ورفع وتيرة الاستثمار وتحسين شروط المـواطنة.
إن الإدارة عمل تشاركي يتحمل فيه المواطن مسؤولية بالقدر نفسه لدى الموظف أو الإداري أو رجل السلطة، ولا مفاضلة بين أحد إلا بحب وطن، يجب على الجميع أن يضعه فوق كل اعتبار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق