حوادث

دراسة: جوابا على الأستاذ الجامعي: ما الحب إلا للحبيب الأول

لا نريد الإطاحة برأس محامي تاونات كما زعمت بقدر ما نريد التأسيس لثقافة جديدة في التعامل مع هيبة القضاء

آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه، والله كأنك لست الجامعي الذي نعرفه، تقول إن النزاع كان يجب أن يرفع إلى المؤسسات القضائية والمهنية بدل الاحتجاج وكأنك لا تعلم وأنت ابن الدار أن القضاة حرروا عشرات المحاضر بجرائم جلسات في حق محامين وغيرهم، ثم لم يحرك بعد ذلك ساكن.

بغض النظر عن المتابعات التأديبية في إطار مجلس هيأة المحامين التي تحدثت عنها، والتي ينطبق عليها ما ينطبق على آوى في قول الشاعر
وكنت كآوى يعرف الناس ابنه
ولم ير آوى أو يدع له سر
أو منطق التوافقات و التنازلات الذي أومأت إليه، ألم يكن يفترض منطق مساواة الجميع أمام العدالة أن يفتح بحث قضائي في الموضوع وأن يحال المشتبه فيهم إلى المحكمة أدانتهم أم برأتهم؟ أم أنك تريد من القضاة أن يتقدموا بشكاية مباشرة مع انتصاب كمطالب بالحق المدني إلى قاضي التحقيق، والله لو فعلوا لكانت سبة في جبين منظومة العدالة المغربية إلى أبد الدهر، وهذه الحالة السريالية التي يجد فيها القاضي نفسه ينزل من منصة الحكم إلى كرسي المشتكي الذي يطلب من قاضي التحقيق أن ينصفه ….، ألا يكون القاضي في هذه الحالة أيضا خصما وحكما؟
لا شك أنك تعلم سيدي أن الفصل 20 من النظام الأساسي لرجال القضاء ينص على أن الدولة  تحمي القضاة مما قد يتعرضون له من التهديدات والتهجمات والسب والقذف ضمن مقتضيات القانون الجنائي والقوانين الجاري بها العمل وتضمن لهم تعويضا عن الأضرار التي يمكن أن تلحقهم أثناء مباشرة مهامهم، وتحل الدولة في هذه الحالة محل المصاب في حقوقه ودعاويه ضد المتسبب في الضرر، فهل تعلم سيدي وأنت سيد العارفين لماذا تأخذ الدولة للقاضي حقه ممن اعتدى عليه وتكفيه مؤونة مواجهة خصمه و تتبعه في ممرات النيابة العامة و مقاضاته أمام المحاكم؟ هل تعلم لماذا يوجد هذا الفصل في نظامنا القضائي؟ أنا أجيبك :  يوجد هذا الفصل لكي لا ينزل القاضي من منصة حكمه، ولكي تعيد له الدولة كرامته المهدورة قبل أن يرتد إليه طرفه، ولكي  يبقى  فوق منصة حكمه شامخا وقورا مهاب الجانب.
إن ما أقدم عليه نادي قضاة المغرب من  أشكال احتجاجية يعتبر صرخة في ضمير هذه الأمة للانتصار لهيبة المؤسسة القضائية، ويدخل في صميم أهداف النادي باعتباره جمعية مهنية أسست للدفاع عن كرامة القاضي و استقلاليته، ولم يقل قائل يوما إن الأشكال الاحتجاجية حكر على النقابات، كما أنه لا مجال في هذا الشأن لمواجهة القاضي بواجب التحفظ، مادام أن الأشكال الاحتجاجية التي تم خوضها لا تمس بكرامة او هيبة القضاء ولا بمبدأ الحياد، كما أنها لم تتضمن أي تعبير غير لائق أو أي انتقاد من شأنه الإخلال بالثقة و الاحترام اللذين يستلزمهما المتقاضي في جهاز العدالة، وهذا ما ذهب إليه المجلس الأعلى  للقضاء الفرنسي في تعريفه لواجب التحفظ في العديد من قراراته.
وتجدر الإشارة هنا، مادام أن الشيء بالشيء يذكر وقد أتيتم على ذكر نقابة القضاة بفرنسا، إلى أن القضاة الفرنسيين يضربون منذ أكثر من 20 سنة ولم يثبت قط أن أحدهم أدين تأديبيا من أجل ذلك، والحال أن المادة 10 من نظامهم الأساسي صريحة في منع كل عمل من شأنه إيقاف أو عرقلة سير المحاكم، وذلك للمكانة الكبيرة التي يعطيها الفرنسيون رؤساء ومرؤوسين للقضاء و القضاة، فيتجاوزون عن خرقهم لمقتضى قانوني قطعي الدلالة مادام ذلك في سبيل صون هيبة القضاء وكرامته، ولنا في ذلك عبرة نحن الذين نلوح بالمتابعات التأديبية بمجرد مطالبة القضاة بأبسط حقوقهم المهنية المكفولة لهم دستوريا وقانونيا.
أما إذا كنت تجرحنا نحن أعضاء نادي قضاة المغرب وتشك في حيادنا وتجردنا عند محاكمتنا للمحامي المشتبه فيه، فإننا إن كنا ننأى بأنفسنا عن الإنصات لهاجس الحقد والانتقام عند اعتلائنا منصة الحكم، أسيدي فليكن، فنحن نقبل بمحاكمته من طرف زملاء لنا ينتمون إلى جمعية مهنية أخرى دفعا لتجريحكم.
وبخصوص ما أثرته سيدي من تلقي القضاة للتعليمات، فأنت تعلم أن الفصل 109 من الدستور الجديد ينص على أن القضاة لا يتلقون أي أوامر أو تعليمات بشأن مهمتهم القضائية، كما لا شك أنك تعلم أن القضاة لا يجيبون عن الدفوع إلا إذا كنت جدية.  
لكن عفوا سيدي لماذا نتيه في الكلام، لماذا نقلب المعادلة، لماذا نتهم بالتحامل على غيرنا إذا ما طالبنا بحقوقنا وبما يكفله لنا نظامنا الأساسي، نحن لا نتحامل على أحد، نطلب فقط أن يأخذ كل  مكانه الطبيعي، نطالب فقط بتفعيل المقتضيات القانونية.
ألا تعي سيدي بأننا نوجد في مفترق الطرق، ألا تعي سيدي بأننا لا نريد الإطاحة برأس محامي تاونات كما زعمت بقدر ما نريد التأسيس لثقافة جديدة في التعامل مع هيبة القضاء وكرامته انسجاما مع ما تكفله قوانينا من ضمانات للقاضي، ومع ما جاء به دستورنا الجديد من الارتقاء بالقضاء إلى سلطة قضائية.
لتحرك المتابعة  إذن في حق كل مخالف، فنكون بعد ذلك في حل من الاحتجاجات والملاججات، فنحن قوم لنا ما يشغلنا.
يا سيدي النقيب، وهنا فقط أناديك بالنقيب،  أنت رجل وقف معنا تحت شمس يوم 20 غشت اللافحة ونحن يومئذ عطاش خماص نكتب شهادة ميلاد نادينا العتيد بالشارع العام بعدما أوصدت في أوجهنا الأبواب، وذاك موقف لن ننساه لك، فليس من شيمنا الجحود. ولكن ما كان هذا رجاؤنا فيك، فأب إلى الحق، فالحق أحق أن يتبع، وإلا فإن بقيت على موقفك من الغضب مع زملائك علينا، فنقل فؤادك أين شئت من «الغضب»….ما الحب إلا للحبيب الأول.

بقلم:  ذ عادل  بوحيى, عضو الجمعية المهنية لنادي قضاة المغرب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق