fbpx
حوادث

المجلس الأعلى للقضاء والإصلاح القضائي 2/2

المجلس الأعلى تأخر لعقود في سن نظامه الداخلي نظرا إلى إكراهات

أجمعت الآراء على ضرورة إصلاح القضاء، واعتبرت أن الأمر يقتضي إعادة النظر في عديد من الأمور المرتبطة به، خصوصا أن القضاء لم يعرف لعدة عقود أي تغيير أو تحديث يـوازي التحولات العميقة التي عرفها المجتمع المغربي منذ استقلاله، أي منذ أزيد من خمسين سنة.

ضل المجلس الأعلى للقضاء منذ إنشائه يعقد دوراته بإشراف كامل لوزير العــدل مــــــن تحديد لموعد الانعقاد وكذا جدول الأعمال وغيرها دون ان يكون له نظام داخلي، ولم يبدأ التفكير في وضع النظام الداخلي للمجلس الأعلى للقضاء إلا خلال دورة ابريل 1998 أي بعد حوالي أربعة عقود من إنشائه، و بناء على الانتقادات التي كانت تثار في الموضوع من طرف الفئات المعنية والمهتمة والتي كانت تعتبر جميعها بأن تدخل السلطة التنفيذية في شؤون القضاء عبر الصلاحيات الواسعة المخولة لوزير العدل الذي يعين القضاة ويتحكم في تنقيلاتهم وترقياتهم، ويحيل على المجلس التأديبي، ويعين رؤساء المحاكم، اتضح أخيرا لأعضائه بأن الضرورة العملية تقتضي اعتماد منهجيـــــة واضحة ومسطرة مدققة مبنية على معايير مضبوطة ومقاييس محكمة لمعالجة مختلف المواضيع المعروضة على المجلس، فحدد المجلس، كما جاء في ورقة تقديم نظامه الداخلي، بعض المبادئ والأفكار اعتبرت بمثابة نواة لهذا النظام، تم تطويرها واغناؤها على مراحل متتالية، إلى أن تم إقراره في حلته النهائية، في دورة دجنبر 1999.
ورغم أن المجلس الأعلى تأخر لعقود في سن نظامه الداخلي نظرا لإكراهات معينة ، فان هذا     النظام، يمكن أن يعتبر بعد تلقيحه وتطويره في غياب إصلاح دستوري مرتقب في الأفق، إطارا قانونيا صحيحا يؤدي إلى منح هذه المؤسسة الدستورية كل الإمكانيات للقيام بدورها الكامل في ترسيخ مبدأ استقلال القضاء وضبط العلاقات بين القضاة والمسؤولين الإداريين المباشرين، ويكون بذلك لبنة هامة في إطار دعم الإصلاح المنشود، خصوصا أن هذا النظام قد تم سنه من طرف القضاة أنفسهم الذين ظلوا     غائبين أو مغيبين لزمن طويل عن أي نقاش يهم مؤسستهم.
فقد أقرت توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة في تقريرها النهائي ضرورة إصلاح القضاء، وقد خصت هذه التوصيات في مجال العدالة وإصلاح القضاء محاور ثلاثة : الدستور ، والمجلس الأعلى للقضاء، وتأهيل العدالة وأخرى موازية ، فبعد أن اعتبرت في مجال الدستور ضرورة تعزيز المبدأ الدستوري لفصل السلط وخاصة فيما يتصل باستقلال العدالة ،والنظام الأساسي للقضاة ، والمنع الصريح لأي تدخل للسلطة التنفيذية في تنظيم العدالة وسير السلطة  القضائية.
كما أوصت في مجال المجلس الأعلى للقضاء، الذي هو موضوع هذه الدراسة بما يلي:
– فصل وظيفة وزير العدل عن المجلس الأعلى للقضاء.
– تقوية الضمانات الدستورية لاستقلال المجلس الأعلى للقضاء، وجعل نظامه الأساسي يحدد بمقتضى قانون تنظيمي يتم بمقتضاه مراجعة تشكيلته ووظيفته بما يضمن تمثيلية أطراف غير قضائية داخله، مع الإقرار باستقلاله الذاتي بشريـــــــا وماليا، وتمكينه من سلطات واسعة في مجال تنظيم المهنة ووضع ضوابطهـا وأخلاقياتها وتقييم عمل القضاة وتأديبهم، وتخويله إعداد تقرير سنوى عن سيــر العدالة بوجه عام.
جعل المجلس الأعلى للقضاء بمقر المجلس الأعلى بالرباط.
إلا أن التقرير الذي أعده المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان بصفته مكلفا بمتابعة تفعيل توصيات هيأة الإنصاف والمصالحة سنة 2010 في الملحق الرابع، فقد حصر بخصوص تنظيم المجلس الأعلى للقضاء فيما يلي :
إصدار قانون تنظيمي يحدد مهام المجلس الأعلى للقضاء، وطريقة عمله، وانتخاب أعضائه، ويضع معايير دقيقة لترقية القضاة وتأديتهم وضمان استقلالهم.
تخصيص مقر خاص للمجلس الأعلى للقضاء.
النص على تكليف المجلس الأعلى  للقضاء برفع تقير سنوي عن سير العدالة إلى جلالة الملك.
وفي الموضوع نفسه دعت الجمعيات الحقوقية مجتمعة بخصوص اصلاح المجلس الاعلى للقضاء وحددته في اربع محاور وهي : المهام ،والتشكيلة ، ووسائل العمل، والمسار المهني للقضاة.
فاعتبرت، في مجال المهام بأن الإصلاح يقتضي:
– يتعين توضيح مهام المجلس الاعلى للقضاء بالدستور،ثم بتفصيل في قانون تنظيمي، وذلك باعتباره الممثل الدستوري الضامن لاستقلال السلطة القضائية عن السلطتيــــن  التشريعية والتنفيذية ، ويمكن أن تشمل هذه المهام:
– تتبع الحياة المهنية للقضاة منذ تعيينهم الى تقاعدهم.
– تتبع سير المحاكم على مستوى ضوابط توزيع المسؤوليات والقضايا والمهــام القضائية والتدبيرية للمحاكم.
– تتبع التكويــــن.
– السهر على التقيد باخلاقيات المهنة واقرار جزاءات على الإخلال بها.
– تقديم اقتراحات للسلطتين التشريعية والتنفيذية في مجال الاصلاحــات التشريعية والمؤسساتية وأمور الميزانية والسياسات العمومية التي تهــــــــم العدالة ومهنها.
– مراقبة شروط تسيير المهن المساعدة للقضاء.
وأوصت في مجال تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء:
– باعتبار القضاء مسألة تهم الشأن العام ومجموع المواطنين والمتقاضين ، ودفعا لشبهة التكتل المصلحي والتحيز الفئوى ، فلا مناص من توسيع التمثيليـة     في تشكلية المجلس الاعلى للقضاء لاطراف الى جانب القضاة  لأشخــــاص آخرين (ممثلون للمحامين وللقانونيين باقتراح من البرلمان  وممثلي المجتمع المدني) وليس من الضروري أن يشكل هؤلاء الأشخاص  الاكثرية الانتخابية لكن وجودهم  هو وسيلة لإعطاء الثقة إلى عامة  الناس.
– ملاءمة تشكيلة وعدد ممثلي القضاة مع التحولات التي طرأت على المشهد القضائي (إنشاء محاكم ادارية وتجارية ومحاكم أسرة).
– تولي رئاسة المجلس من طرف قاض سام لفترة محددة وثابتــة.
وأوصت في مجال وسائل عمل المجلس بمايلي:
– ان يكون للمجلس الاعلى للقضاء ميزانية خاصة به ومقر لائق وموظفــــون إداريون مسؤولون أمامه يساعدونه على القيام بمهامه المتنوعة بما في ذلـك دراسة التصاريح بالممتلكات ودراسة الملفات المتعلقة بالتعينات والترقيات، وغيرها بناء على معايير متفق عليها.
– يفضل أن يكون جهاز التفتيش القضائي تابعا لمؤسسة مستقلة،ويمكن أن يشكل من هيأة مشتركة بينه وبين المجلس الأعلى للحسابات.    تحال عليه جمع تقارير التفتيش والشكايات.
واقترحت في مجال المسار المهني للقضاة وضمان استقلالهم ، مايلي :
تعديل قانون 11 نونبر 1974 المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة بواسطة   قانون تنظيمي، فالمجلس الاعلى للقضاء يجب أن يسهر فعليا علــــى:
–  تعيين القضاة وتكوينهم ونقلهم وترقيتهم وتأديبهم وتقاعدهم، ويجـب أن يعطي الوسائل التي تمكنه من القيام بمهامه بفعاليـة (ميزانيــة مستقلة ومقر وموظفــون).
– إصلاح قانون المسطرة الجنائية بهدف موازنة السلطات الواسعة للنيابة العامة باستقلال أقوى لقضاة التحقيق وبضمانات أقوى لحقوق الدفاع،مع توحيد قواعد ومعايير اختيار وتعيين قضاة التحقيق من طرف المجلس الاعلى للقضاء نفسه، على غرار تعيين قضاة الحكم وقضاة النيابة العامة بحسب  حاجيات كل محكمة ،ودون حصر ذلك التعيين في الزمن ، ومن تم يتوجب الغاء المادة 52 من قانون المسطرة الجنائية وتقوية هذا الاستقلال بالغاء جميع المقتضيات  القانونية التي توجب على قاضي  التحقيق أخذ رأي النيابة العامة قبل  اتخاذ أي قرار .
– إلغاء مقتضيات الفصل 56 من ظهير 11 نونبر 1974 الذي يضع قضاة النيابة العامة تحت سلطة وزير العدل وبالتالي فان تعيين قضاة النيابة العامة يجب أن يتم بالاستناد الى نفس المعايير بالنسبة لجميع القضاة من طرف نفس السلطة القضائية أي المجلس الأعلى للقضاء.
– يستتبع إلغاء الفصل 56 من النظام الأساسي لرجال القضاء إلغاء المادة 51 من قانون المسطرة الجنائية الذي يخول لوزير العدل مهمة تنفيذ السياسة الجنائية عن طريــق الوكلاء العامين للملك نظرا لما تسببه مقتضياته من مساس بخصائـص القاعدة القانونية ، وهي: لا يمكن أن يقف إشراف النيابة العامة على إعمال الشرطة القضائية عند مجرد الشكليات بل يجب أن يتعداها ليشمل مجموع مبادراتها من أجل ضمان احترام حقوق المشتبه فيهم وتحرير تقرير شامل بكل ذلك يكشــف عن الاخلالات المرتكبة والعقوبات المتخذة لزجر مرتكبيها .
– وضع معايير موضوعية مبنية على التجربة والكفاءة والنزاهة كأساس لترقية  وتعيين القضاة في مناصب المسؤوليـة .
هذه باختصار رؤية هيأة الإنصاف والمصالحة وجزء من المجتمع المدني ممثلا في جمعياته الحقوقية لإصلاح القضاء، خاصة، في موضوع المجلس الاعلى للقضاء الذي يعتبر هو اللبنة الاساسية في النظام القضائي، وكما رأينا أنها تتقاطع وتلتقي في مقترحاتها في كثير من مقومات الإصلاح، ولكن ما هو رأي القضاة في الموضوع على اعتبار أنهم المعنيون والفاعلون الأساسيون في موضوع العدالة بوجه عام؟
أن تعبير الهيأة القضائية عن رأيها في الموضوع  سواء داخل الودادية الحسنية للقضاة او بأي وسيلة أخرى سيســـاهم، دون شك، في الإصلاح.
إنه وفي غياب أي تعديل دستوري مرتقب فان المجلس الأعلى للقضاء نفسه يستطيع أن يعمل على تحقيق جل المقترحات أعلاه وذلك عن طريق تعديل نظامه الداخلي الذي أقره في دورة دجنبر 1999 وصادق عليه جلالة الملك،او بمقتضى مرسوم أو مع الأخذ بعين الاعتبار التوجيهات السامية الواردة بالخطاب الأخير وذلك بمراجعة هذا النظام  بالتراجع عن إضافة عضو جديد لتشيكلته وهو الكاتب العام لوزارة العدل وملائمة ممثلي القضاة مع التحويلات التي عرفها النظام القضائي الذي احدث محاكم جديدة،وأن يتضمن هذا النظام أيضا طريقة تدبير شؤونه واتخاذ القرارات فيه التي لا ينبغي أن تكون عن طريق التراضي والإجماع كما كان سائدا سابقا، بل عن طريق التصويت السري حتى يتم وضع حد لهيمنة وزير العدل ووزارة العدل، وفك الارتباط بهما ويبقى رأي الوزير، رغم ترؤسه الفعلي للمجلس، يعبر عن صوت واحد من بين أصوات باقي أعضاء المجلس.
إن إعادة صياغة النظام الداخلي في رأيي هي أول عمل ينبغي أن يفتتح به المجلس الأعلى للقضاء أعمال دورته بعد الانتخابات الأخيرة.

عبد الرحيم بن بركة: نقيب سابق بهيأة المحامين بالرباط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى