fbpx
الأولى

حديث الصباح: حرية التعبير… ومنع القراءة والمعرفة

المفروض اليوم أن توضع مدونة سلوك للسلطة وللدولة ولوزيري الداخلية والاتصال

القراءة غير ممنوعة حسب علمي، ومنع القراءة عقوبة طبقت من جديد وحرم بسببها القراء بالمغرب من قراءة ما كتب بعدد من الصحف ومن الكتب التي منعت وزارة الاتصال بالمغرب دخولها ورواجها. والعقوبة في طبيعتها حرمان يقيد الحرية، والعقوبة لا يمكن وضعها إلا في نطاق ما يسمح به القانون، والدستور يعلمنا، بالمادة الواحدة والسبعين، أن تجريم الأفعال والعقاب عليها من اختصاص القانون، والقانون هو الذي يصدر عن البرلمان ولايسري مفعوله إلا بنشره بالجريدة الرسمية، ومن هنا يحق لنا أن نتساءل لماذا منع القراء بالمغرب من الإطلاع وقراءة صحف وكتب منعت من قبل وزارة الاتصال لأسباب قررت تقديرها دون استشارة قضاء أو برلمان أو هيأة إعلامية أو صحافية أو هيأة ثقافية أو فكرية، أو استفتاء شعبي ديمقراطي؟؟
ومنع القراءة عنوان محنة وعجز في مجال الحريات، وموقف ممنوع لأنه يطول حقوقا مشروعة دستوريا، ويمنعها منعا غير مشروع، والمنع هو مساس بحق الفكر في الوعي والمعرفة، وبالحق في المعلومة وفي الحصول عليها، وبالحق في بناء القناعة عن علم ومعرفة، وبالحق في اكتشاف الجديد والآخر وما بينهما، أي الحرمان من التربية ومن الحق في المواطنة التي لا يمنحها ولا يمن بها على المواطنين أحد.
إن القراءة تشكل المظهر الظاهر والمرئي لحرية الرأي، وهي التعبير عنه حسب علم الصحافة والإعلام والسياسة والقانون، والقراءة هي الشهادة على وجود ديمقراطية حقيقية يتنفس بها الرأي العام في عالم المعرفة والخبر والحدث، والرأي يبقى رأيا سواء عبر عنه بالكلمة أو بالصورة أو بالرمز أو  بلغة الصم والبكم، سواء أعجب البعض أو أقلق ذوق البعض، وبالتالي لا يمكن أن ينتقل الرأي والقراءة والحرية إلى مجال المحرم والممنوع والمجرم والمعاقب بإرادة شخص وتقديره وقناعته وثقافته وايديولوجيته ورؤيته الخاصة، وهذا ما استقرت عليه الأعراف الديمقراطية والإعلامية في الدول التي تحترم الحريات من دون وصاية الحكومات، ولدى الهيآت الدولية التي تعنى بمجال حرية الصحافة والتعبير كاليونسكو والفصل 19، ومراسلون بلا حدود وغيرهم…..
وأعرج بالمناسبة على بعض ما طرح بمناسبة الحوار الوطني حول الإعلام والمجتمع الذي اطره واشرف عليه الاستاذ جمال الدين الناجي، وبالخصوص ما اثير من ضرورة النهوض بالحكامة في تدبير قطاع الإعلام والصحافة، مع الالتزام بالمرجعيات الكونية في هيكلته وتنظيمه، سواء في البعد الدستوري او البعد التشريعي، حتى تتم حماية الصحافي من أي تأويل يمس بالممارسة او تطبيق مقتضيات قد تمس بالمبادئ المؤسسة لحرية الصحافة….. ومن هذه القواعد يثار السؤال كيف سنعمل من أجل أن لا يكون لنا قانون للصحافة يحدد المخالفات والعقوبات، أي قانون قمعي؟ وما هي شروط وضع نظام معرفة إعلامية وحماية صحافية متكامل منسجم مع المرحلة ومتطلبات المستقبل، حتى نجعل من المغرب معلمة في مجال حقوق المعرفة والإعلام والصحافة؟

لقد منعت مثلا جريدة “إلباييس” ومنع كتاب كاترين كراسيي وإيريك لوران عن طريق استعمال الفصل التاسع والعشرين من قانون الصحافة الذي يفتح باب منع الجرائد والنشرات والمطبوعات الدورية من دخول المغرب من قبل وزير الاتصال، وهذا المنع في اعتقادي يجسد إشكالا حقيقيا تجاه منع حرية اساسية وهي منع حرية القراءة والمعرفة بالنسبة إلى كل مواطن، وتجاه مسألة تتعلق بالخلط ما بين السلط أي بين سلطة إدارية في تقدير وجود المخالفة، وسلطة قضائية في إنزال العقاب بالجريدة والنشرة خارج نطاق القضاء، وهذا ما يفتح باب التحكم الإداري، لأن المنع بالتأويل الواسع لكلمة (يمكن) الواردة في المادة أعلاه، يعطي مجالا لاستعمال السلطة التقديرية لشخص مثل الوزير في تقدير المخالفة أي تقدير سبب المنع، ودون أن يكون للقضاء أي صلاحية لرقابة قرار وزير الاتصال.
وإنه من الضروري لنا فهم ممارسة المنع ضد الصحف والكتب، كما هو حال المنع الاخير،  في محيط موقع حرية الرأي والتعبير والصحافة في السياسة العمومية بالمغرب ولدى المراقبين للصحافة ولمجال الإعلام السمعي البصري، خصوصا والجميع يعلم ان حرية الصحافة والرأي عبر تاريخ المغرب عرفت المحن والإهانة والسجن والمنع، واعتبارا لأن التربة التي لعبت الدولة فوقها لم تكن تربة ديمقراطية ولم تكن تعرف دور القاعدة القانونية في تعاملها مع الحقوق ومع الضمانات، بل كانت تربة وعقلية مخزنية تمارس القوة عوض القانون والشطط عوض المشروعية، ومن هنا فالحديث عن مدونة للصحافة ولنظام عام للإعلام، وقواعد القيم والسلوك والأخلاقيات، لا يجب أن تنطلق لضبط مجال حرية الصحافة وتقييد الصحافيين بمنطق تحديد الواجبات والمسؤوليات، بل إن المفروض اليوم وللمستقبل أن توضع مدونة سلوك للسلطة وللدولة ولوزيري الداخلية والإتصال أخلاقيا وقانونيا وإداريا، من أجل منعهم من انتهاك حرية الرأي والقلم والكتابة والنشر، ومنعهم من وضع البرازخ حول حق المواطن في قراءة كل ما ينشر، وحقه في تقدير الجيد والرديء بذوقه وفطنته وذكائه ورأيه دون وساطة، مع نقل كل الصلاحيات التي أعطيت للحكومة وللوزراء ولغيرهما من حجز ومن منع ومن متابعة ومن عقاب إلى القضاء، وهكذا سنفتح عهد ديمقراطية إعلامية تعددية محمية من السلطة التنفيذية ومن السلطة التقديرية للإدارة، وسنغطي العجز الحاصل في احترام حرية الصحافة والرأي وسنقوي الأمن القضائي عوض الأمن الإداري الحكومي.
واليوم تحررت الدولة نسبيا من قطاع الإعلام السمعي البصري، فعليها أن تتحرر من قطاع الصحافة، وبالتالي لم يعد في زمن العولمة وشيوع المعلومة بأحدث وسائل الاتصال أي معنى أن تحجز أو تمنع الصحف والكتب، وأن نقيد القلم ونعاقب الفكر، وأن نمنع المواطن من قراءة ما يكتب لصالح المغرب أو ضده، لصالح الحكومة أو ضدها، لصالح الملكية أو لغير صالحها، أي لم تعد المواقف السياسية المعبر عنها في إطار نظام الصحافة، أكانت تحليلا أو استطلاعا أو كاريكاتورا، أو غير ذلك،  من الأمور التي يعاقب كتابها أو ناشروها أو قراؤها، وإلا علينا أن نغلق مقاولات الصحافة ودور الطباعة ودور النشر والخزانات والمكتبات والمسارح والأوبرات وحتى المساجد والكنائس، لأن فيها كلها نتدرب على الحرية، أي على الكلمة، خيالا وأملا وثقافة وفكرا وشعرا ولحنا.
إن من يمنع حرية الرأي والتعبير والصحافة إنما يريد أن يتمتع وحده بفعل كل ما يريد.
وفي انتظار انتصار حرية الصحافة والتعبير، ستمشي العقارب في ساعة اليد نحو اليسار كما يقول محمود درويش.

عبد الرحيم الجامعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى