ملف الصباح

دروس دعم رفقة السلاح والقمر

كان خوض تجربة الإشراف على دروس الدعم والتقوية ضربة حظ بالنسبة لحميد، رقيب في الجيش، قبل أن يتحول إلى أهم “أستاذ” مطلوب في هذا المجال بسلا، بعد أن أبان عن كفاءة عالية، سيما في الرياضيات والفيزياء، ونجح أغلب من أشرف عليهم بنقط عالية في امتحانات الباكلوريا.
شعر حميد (35 سنة)، بنوع من الحسرة وهو يعاين من شاركهم فصول الدراسة ببكالوريا علوم رياضية يعينون مهندسين كبارا بمؤسسات عمومية وخاصة وبأجور عالية، بحكم أنه لم يحصل على ميزة عالية، فاضطر بسبب ظروفه الاجتماعية ولوج سلك الجندية، وعين رقيبا في ثكنة عسكرية بسلا.
عانى كثيرا بسبب أجرته، التي لا تكف لسد حاجياته، بعد أن اضطر إلى إرسال جزء منها لوالدته. كان يفكر في طريقة لتحسين دخله، لكن كما يقال “العين بصيرة واليد قصيرة”.
في أحد الأيام، استنجد به كولونيل بالثكنة، بعد أن أخبروه أنه كان “سيونس مات”، من أجل تقديم الدعم لابنه المشرف على امتحان الباكلوريا، الذي يجد صعوبة كبيرة في مادة الرياضيات.
رحب حميد بالفكرة طمعا في التقرب من الكولونيل، وواظب على تقديم دروس التقوية، فكانت النتائج مبهرة، فاجأت حتى الكولونيل، فالابن الذي كان ميؤوسا منه في مادة الرياضيات، صار من نجباء القسم، بل حصل على نتيجة غير متوقعة في هذه المادة في امتحان الباكلوريا، وهي 17 على 20. نال حميد مبلغا ماليا كبيرا لقاء مجهوداته، سيما بعد أن أبدى الابن رضاه على طريقة تدريس حميد للرياضيات.
ارتفعت أسهم حميد بين الضباط الكبار في ثكنته العسكرية، فصار كل مساء، ضيفا “عزيزا” على بيوتهم لتدريس أبنائهم الرياضيات والفيزياء. ساهم حصول أبناء ” قادته” في الثكنة على نتائج مميزة في شهرته حتى داخل حيه، ليفاجأ بأبناء الجيران يتوسلون إليه بتخصيص حصص الدعم لهم، مقابل أجرة شهرية غير متوقعة.
تحولت حياة حميد رأسا على عقب، فصار يشرف على أزيد من خمس مجموعات تضم عددا من التلاميذ، فلم يعد له الوقت الكافي حتى للقاء أصدقائه، إذ يكتفي لحظة مغادرته العمل في الساعة الرابعة، بساعة للاستراحة بشقته، يتجرد فيها من زيه العسكري، وبعدها يشرع في تقديم دروس التقوية للتلاميذ بمنازلهم، غالبا ما تنتهي في حدود الحادية عشر ليلا.
امتاز حميد بطريقة سلسة في تدريس الراضيات والفيزياء، معتمدا على طرق بسيطة في الشرح، جعلت الجميع يستوعب أصعب المعادلات الرياضية والفيزيائية، والنتيجة، نجاح أغلب من أشرف على تدريسهم في امتحانات البكالوريا.
في مناسبة تأخر في عمله، فلم يجد الوقت الكافي لزيارة شقته، فقدم دروس الدعم بزيه العسكري، إذ أدرك أنها مغامرة قد تكلفه الكثير، لهذا تفادى تكرارها، وكلما كان هناك طارئ في عمله، اعتذر لتلاميذه عن إجراء الحصة، واعدا إياهم بتعويضها في اليوم الموالي.
حقق حميد مداخيل مالية مهمة، وبعد أشهر من العمل الجديد، اقتنى سيارة، وضاعف من قيمة المال المرسل لوالدته، أخيرا صارت أجرته ومداخيل دروس الدعم معا، تتجاوز أجرة زملائه المهندسين، اعتبرها إنصافا له بعد سنوات من المعاناة.
مصطفى لطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق