مجتمع

محاكمات فوق العادة … “واش نموت بالجوع؟”

هي محاكمات وقضايا غير عادية، ليس بسبب موضوعها أو خطورة الجرم المرتكب أو حساسيتها، وغيرها من الأسباب التي يمكن أن تطبع المحاكمة وتجعلها تخرج عن المألوف. المثير في هذه المحاكمات هي أنها تخص العالم القروي، حيث الإنسان يجهل إلى حد كبير المعرفة القانونية للحقوق والواجبات، وأن مجرد الوقوف أمام القاضي يتطلب من الشخص التوفر على جرأة وقدرة كبيرتين، إلا أنه في حالات عدة انقلبت الآية وكان لتدخل المتقاضين أو أجوبتهم تغيير في مسار القضايا.

كريمة مصلي

رفعت دعوى نفقة مرتين لاختيار الأنسب وتنفيذها على الزوج

كثيرة هي الحكايات التي ترافق قضايا النفقة في أقسام قضاء الأسرة خاصة في البوادي، وتختلف بين معاناة قد تكون مزدوجة، إلا أن قضية واحدة شكلت الاستثناء لا من حيث طرفا الدعوى أو نوعيتها، والتي ظلت تحكى على الألسن وتؤكد مدى قوة ونباهة أحد طرفي الدعوى التي لم تكن سوى الزوجة، والتي شكلت محور اهتمام الهيأة القضائية بل بقيت الألسن تتداولها.
وقفت امرأة في العشرينات من عمرها أمام القاضي، ولم تترك له الفرصة لسؤالها، والتأكد من بياناتها وإنما بدأت في لوم الهيأة على التماطل في البت في ملفها، على اعتبار أن تلك تعد الجلسة الثالثة، والملف مازال يراوح مكانه، وأنها وطفلتها لا تجدان لقمة لسد رمق الجوع، في ظل غياب الزوج وإمساكه عن النفقة، حاول القاضي التهدئة من روعها مشيرا إلى أن هناك مساطر قانونية لا يمكن تجاوزها وعليها تفهم الأمر جيدا، فحاولت مقاطعته مرة ثانية، والدموع تنهمر من عينيها.

أخذ القاضي في تفحص أوراق الملف، والسبب في عدم حضور الزوج وهل هناك إشعار بالتوصل بالاستدعاء أم لا، وبينما هو يقلب في أوراق الملف دخل الزوج، الذي اقترب من الهيأة وأخبرهم أنه زوج المشتكية، وبعد مؤاخدته على التأخير وعدم حضور الجلسات السابقة طلب الزوج من القاضي منحه فرصة لشرح الأمور، مشيرا إلى أن ملف النفقة هذا يعد ثاني ملف للزوجة وقد سبق لها أن وضعت ملفا بمسقط رأسها، وحازت بشأنه على حكم نفقة، وأنه في الوقت الذي كان يستعد لتنفيذ الحكم، فوجئ بدعوى جديدة تقدمها الزوجة، وهذه المرة في مكان عقد القران ووجود بيت الزوجية، الذي ما زالت تسكنه.

ساعتها طلب القاضي منه توضيحات أكثر حول الملف، فقدم الزوج إلى هيأة المحكمة نسخة من الحكم الصادر والذي يمنحها نفقة لها ولابنتها وتعويضا عن السكن رغم أنه سبق أن أكد لهيأة المحكمة أن الزوجة مازالت تعيش معه في بيت الزوجية وأنه ينفق عليها، إلا أن المحكمة لم تأخذ به، شرع القاضي في تقليب أوراق الحكم، في تلك اللحظة تسمرت المشتكية في مكانها، في انتظار ما سيسفر عنه الوضع، وفي محاولة لتبرير ما قامت به، استسمحت القاضي في أن يمنحها بعضا من وقته لشرح ما وقع.

وأمام تضارب الأقوال والحكم الذي يشير إلى أنه سبق لها الحصول على النفقة، وتأكيد الزوج أنها مازالت تقطن ببيت الزوجية، توجه لها بسؤال حول مدى صحة ماقاله الزوج، فلم تجد بدا من الاعتراف بالحقيقة، مؤكدة بالفعل أنه سبق لها أن وضعت دعوى بمسقط رأسها للنفقة وحازت بها على حكم، إلا أن المبلغ المحدد لم يكن منصفا بالنسبة إليها خاصة أن زوجها ميسور، وهو ما دفعها إلى التفكير في تقديم دعوى أخرى ومقارنة بين الحكمين واختيار الأنسب لها لتنفيذه على الزوج، ليخاطبها القاضي “واش حنا في قيسارية تختاري الحكم لي كيناسبك”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق