الصباح الفني

لطفـي بوشنـاق: أبحـث عـن موقـف لا عـن مـوقـع

الفنان التونسي قال لـ الصباح  إن الحكام والسلطة زائلون والفن هو الباقي

صوت تونسي باذخ، قادم من عمق الطرب التونسي المشبع بالإيقاعات الغنية والطبوع المتنوعة. إنه لطفي بوشناق الذي يختزل في مسيرته الفنية تطور الغناء التونسي المزاوج بين الأصالة والاستجابة لأنسام التجديد ومساوقة العصر. صوت بوشناق لا

يكتفي بالتجوال في غور التراث الغنائي التونسي، بل يتنقل بسلاسة بين أصعب الأدوار والموشحات العربية، وأغاني نجوم الطرب العربي، دون أن يغفل أن ل”فنه عليه حقا”، إذ قدم، ومازال، عشرات الأغاني في أغراض مختلفة تراوحت بين العاطفي والديني والقومي، مع جرعة زائدة في الالتزام بقضايا الشعوب وهموم الأفراد. في هذا الحوار الذي خص به لطفي بوشناق “الصباح”، يحكي عن رؤيته الخاصة لوظيفة الفن، والغناء على وجه التحديد، كما يتحدث عن “ثورة الياسمين” والربيع العربي، وعن جديد مشاريعه الفنية وأشياء أخرى تجدونها طي هذا الحوار.

ما سر توجهك إلى الغناء الديني في السنوات الأخيرة؟
في الحقيقة لم يبدأ هذا التوجه فقط خلال السنوات الأخيرة، بل منذ أن بدأت مساري الفني وأنا مرتبط بالأغنية الدينية، إذ سبق لي أن سجلت “أسماء الله الحسنى” وابتهالات دينية مع الأطفال، أي أن الغناء الديني كان جزءا من تركيبتي الفنية.

وماذا عن تقاطع الفني والسياسي عند لطفي بوشناق؟
هذه مسألة طبيعية لأن  من المفروض أن يكون الفنان مرآة تعكس الواقع وشاهد على العصر والناطق باسم شعبه بهمومه وأفراحه وأتراحه، وقضاياه الكبرى، لهذا فإنني أحرص في اختيار كلمات أغنياتي على استلهام مشاكل وانشغالات جمهوري، فالفنان يجب أن يكون حامل رسالة، هكذا هو أو لا يكون.

هذا يجرنا إلى سؤال حول طريقة تفاعلك مع الأحداث التي عاشها العالم العربي في السنة الأخيرة والتي كانت تونس منطلقها، كيف واكبت متغيرات الربيع العربي؟
كنت ثائرا قبل الثورة وبعدها وسأظل كذلك، فأنا فنان أبحث عن الحقيقة ولا شأن لي بالسياسة، وأحاول أن أؤدي رسالتي كفنان بما يرضي الله وبما يرضي ضميري، وأؤمن بمبدأ التخصص لذا لا أتطاول على مهام السياسيين.

كنت من أسرع الفنانين التونسيين استجابة ل”ثورة الياسمين” وبادرت بإصدار ألبوم مباشرة بعدها كيف كان ذلك؟
فعلا أصدرت ألبوم “ثورة شعب” والألبوم الثاني سيصدر خلال الأيام القليلة المقبلة. لم أستقر بعد على اسم قار له، وهو يتأرجح بين عنواني “الربيع العربي” أو “حقيقة وحريقة”.

رغم هذا “النزوع الثوري” لديك إلا أنه واجهتك اتهامات بأنك كنت مساندا لنظام بن علي، بل اتهموك بأنك كنت من الموقعين على رسالة تطالبه بالترشح مرة أخرى قبل أن تجرفه “ثورة الياسمين”؟
هذا موضوع حُسم، وقد تحديت لجان التقصي الثورية وأي شخص آخر ليثبت معلومة أو واقعة واحدة عن غنائي للنظام السابق، فما يمكن أن يحاسب عنه الفنان هو أعماله الفنية وتصريحاته إن كان فيها شيء من هذه الاتهامات فمرحبا.   

كيف استقبلت هذه الاتهامات خاصة أنك خلال هذه الفترة كنت تعد أغاني خاصة بالثورة؟
اعتبرت المسألة عادية، خاصة أن كل الثورات تولد انفلاتات من هذا القبيل، لكن التاريخ سيحاسبني على ما صدر على لساني وما تضمنته أغانيّ، إذ لم يسبق لي أن هللت لنظام أو شخص وأتحدى من يثبت العكس. يكفي استعراض عناوين أعمالي من قبيل “تكتيك” أو “نامت الأميرة” أو”عابرون في كلام عابر” وغيرها، إذ من غير المعقول أن أعصف بهذا التراث من أجل التطبيل لجهة ما مهما كانت الدوافع.

بعد مضي حوالي سنة على “ثورة الياسمين” التونسية هل تشعر بأنها أوصلت البلد إلى ما كان يطمح إليه صناع هذه الثورة؟
أنا شخصيا متفائل جدا، ومناعة الشعب التونسي في أحسن مستوياتها، ومتأكد أن الثورة لن تعود بنا إلى الوراء، لكنها تتطلب وقتا لإعادة ترميم وبناء ما أفسده السابقون، فالبناء أصعب من الهدم.

ما مدى تأثير الثورة على الفن، خاصة أنك أحد الفنانين الذين قاوموا مد التمييع الذي عرفته الأغنية العربية قبل الثورة، هل ترى أن هذه الأخيرة جاءت في مصلحتك؟
أنا لا أبحث عن موقع في هذه الساحة بقدر ما أبحث عن موقف، ومن المؤكد أن مناخ ما بعد الثورة سيكون مشجعا للحديث عن مجموعة من الأشياء بكل وضوح وصراحة.

قلت في أحد حواراتك السابقة إنك كتاب لم يُقرأ بعد، هل حان الوقت لفتح “كتاب لطفي بوشناق”؟
ما عرفه الجمهور العربي عن لطفي بوشناق لا يتجاوز عشرين في المائة من الأعمال التي يمكن أن أقدمها، وقد تسألني ما هو السبب فأجيبك هي اختياراتي، إذ لم أشأ يوما أن أكون مسيرا بل مخيرا، وأختار الكلمات والألحان التي أراها مناسبة ولا أسمح لأي جهة، مهما كانت، أن تملي علي الطريق الذي يجب أن أسلكه، وإلا سأقع في تناقض مع ما أرى عليه دور الفنان ووظيفته الإبداعية، فمآل الحكام والسلطة هو الزوال أما الفن فهو الباقي.

حدثتنا عن علاقتك بالتراث الغنائي التونسي التقليدي خاصة أنك ظللت وقيا له؟
كنت دائما أقول إنني أتيت من التراث ونهلت منه، لكنني لست أسيرا له ولست حارسا له، وسعيت لكي يكون لي تراثي الخاص الذي سأتركه بعدي، خاصة أن إيقاع العصر تغير، ويجب علي أن أكون مواكبا لهذا التغير، وإلا سيفوتني الزمن، سعيت لكي أكون ناقلا لما يعتمل في عصري وعاكسا لما يدور به، منطلقا من التراث ومتطلعا نحو المستقبل ومستوعبا لمتطلبات الحاضر.

كيف “تجرأت” وأصدرت أغنية، في الوقت الذي لم تتضح فيه الأمور بعد تجاه ما يجري هناك؟
لم أستطع أن أكون محايدا تجاه ما يجري في سوريا، من تقتيل وإراقة دماء  الأبرياء، وعبرت عن رأيي وموقفي كإنسان وكفنان.

في الوقت الذي اختارت فيه مجموعة من الأصوات التونسية تحقيق انطلاقتها الفنية بالشرق فضلت البقاء في تونس؟
أعتبر ذلك اختيارهم الفني واحترمه،  لكنني في المقابل لم أنجرف وراءه لأنه لم يكن يهمني الانتشار الجماهيري بقدر ما يهمني تسجيل موقف يذكره لي التاريخ، وأكون صادقا فيه مع نفسي ومنسجما معها، رغم ما ينطوي عليه هذا الموقف من أنانية، لكنها ليست أنانية مرضية.

ما هو جديد مشاريعك الفنية؟
هناك شريط جديد سينزل إلى الأسواق خلال آخر الشهر الجاري، ويتضمن 13 أغنية، سعيت لأن يكون ثوريا بامتياز.

بمعنى أن “الاختيار الثوري” في أغانيك صار اختيارا حاسما؟
الأغنية تكون ثورية أو لا تكون، ولا أقصد بالضرورة الثورة بالمعنى السياسي، فالمفروض أن تتضمن الأغنية ثورة في الفكرة والكلمات والألحان وثورة في المعنى والتنفيذ والأداء والحس.

وما تحبل به الساحة الفنية من أغان هل تعتقد أنه تتوفر فيها هذه العناصر الثورية؟
من المفروض أنا الذي أضع هذا السؤال، فلا تضعني في موقف حرج…

(مقاطعا) لكنك قلت إنك صاحب موقف فلم لا تبدي موقفك إزاء ما يغرق به المشهد الغنائي؟
أنا علي بنفسي فقط، وأحترم اختيارات كل زملائي الفنانين في العالم، ولكل اختياراته وليس بالضرورة أن تتطابق.

ألا ترى أن إصرارك على البقاء وفيا لنمط ومواضيع معينة في أغانيك هو رفض، بشكل غير مباشر، للسائد؟
أسلوب تعبيري أفضل أن اختزله في “لطفي بوشناق” هكذا أنا، أحاول أن أكون شاهدا على عصري، وأكون صادقا في أداء رسالتي ومع جمهوري.

ما هو حلمك الأكبر الذي ما زلت تطمح إلى تحقيقه؟
أن أبقى في الذاكرة. أتمنى أن أعيش بعد موتي، من خلال أعمالي الفنية، رغم أن المشاريع الفنية الجادة ما زالت محاصرة إعلاميا، لكن “لا يصح إلا الصحيح”، فلم يتبق للعرب شيء بين أيديهم سوى الفن والثقافة فيجب عليهم أن يحسنوا توظيفها بما يساهم في رقيهم الحضاري.

أجرى الحوار: عزيز المجدوب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق