الأولى

حديث الصباح: “الحريك” الجماعي لوزراء بنكيران

وزير الداخلية يتحدث في الصحافة الأجنبية عن عدد ساعات نومه ووزير العدل والحريات عن الصقور والحمائم

عزيزي القارئ، إذا اشتقت إلى أخيك، الذي لا يبعد عنك إلا بأمتار قليلة، فحلق بالطائرة إلى لندن، وابعث من عاصمة الضباب خطابا فيه مشاعر الحنان، وإذا وددت استشارة زميل في العمل، فارحل إلى بلاد القوقاز الشهيرة، واتصل به من هناك. أما إذا رغبت في زيارة أصدقاء الحي، فلا تتسرع، وسافر إلى دولة أخرى، ومن الأفضل أن تكون بعيدة جدا، واستعن بالأقمار الاصطناعية لتحكي لهم عن ذكريات الطفولة وطيش الشباب…
إنه فن التواصل، وليس ضربا من الجنون، كما تعتقد عزيزي القارئ، فسؤال «أين أذنك؟» العجيب يفوق كل تقنيات التواصل، ولأننا شعب نقتدي بالمسؤولين في حركاتهم وسكناتهم، فلا بأس من مسايرتهم في فهمهم للتواصل مع الشعب.
ألم يرحل عبد الإله بنكيران إلى جريدة عربية تصدر من لندن ليحدث «إخوته» عن تفاصيل تعيينه رئيسا للحكومة؟ ألم يسافر مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات، إلى المكان نفسه ليقص على المغاربة حكاية أول إحساس انتابه حين دخل مكتب الوزارة؟ ثم اقتفى أثرهما امحند العنصر، وزير الداخلية، ونزار بركة، وزير الاقتصاد والمالية، وتحدثا بإسهاب عن خارطة الطريق وعجز الميزان التجاري.
عزيزي القارئ، لا تظن أن هذا العبد الضعيف ضد انفتاح وزراء الحكومة على الإعلام الأجنبي، أو أن الحسد يعمي عيون الزملاء في المهنة. أبدا والله، لكن أن يلهث الوزراء وراءه لكشف قضايا داخلية، في حين يصدون أبوابهم بمتاريس المنع أمام صحافة بلادهم، فذاك ما يدمي القلب.
ابتلت الحكومة، أدام الله وجودها بيننا حتى تُحقق أحلامنا، بعدوى «الحريك»، فهب بنكيران، رئيس حكومتنا، إلى جريدة شرق أوسطية تصدر من لندن، مؤمنا بأن جريدة خضراء، ربما يثير لونها انتباه المغاربة، ليسهب في الحديث حول كل القضايا الداخلية، ثم لحق به الرميد، وزير العدل والحريات، ومثل عالم في علم الأحياء، ميز بين الصقور والحمائم في وزارة العدل، ثم أطلق قنبلته حين اعتبر أن ملف بنبركة ليس من أولويات الحكومة، التي تفكر أكثر في طي صفحة السلفيين قبل سنوات الرصاص، أما العزيز وزير الداخلية، فأفشى أسرار عدد الساعات التي ينامها، والهاتف الذي لا يتوقف عن الرنين، والملفات التي توجد إلى جانب السرير… حفظ الله الوزراء من كثرة مشاغلهم وألهمهم الصبر.
عزيزي القارئ، طيلة أسبوع، تحولت الجريدة إياها إلى حبل لنشر غسيل أزماتنا الداخلية، فأثارت حفيظتنا، نحن الصحافيين، ودفعتنا إلى التفكير في «الحريك»، وإعلان الطلاق مع المؤسسات الصحافية الوطنية، للالتحاق بأخرى أجنبية حتى يرضى عنا بنكيران ووزراؤه ونحظى باستجواب مطول، ثم عزفنا عن الفكرة، واقترحنا دعوة كل المغاربة إلى «الحريك» الجماعي حتى لا ينتظروا وصول جريدة أجنبية إليهم والاطلاع على أخبارهم على صفحاتها.
إنها سياسة الكيل بمكيالين، فالحكومة تؤمن بأهمية الصحافة المحلية، ثم تشد الرحال إلى صحافة أجنبية للحوارات، فالأولى لا تستحق إلا التهديد وتصنيفها في خانة «الخصوم أو الأعداء»، وطبعا سيجد الوزراء ألف تبرير لإقناعك باختيار الصحف الأجنبية للبوح بأسرارهم، فلا تصدقهم، وإياك أن تقتنع بفتواهم، إلى أن يثبت العكس، وتذكر دائما حكمة عمر بن عبد العزيز حين سأله رجل: «متى أتكلم؟ فقال: إذا اشتهيت أن تصمت… فقال: فمتى أصمت؟ فقال: إذا اشتهيت أن تتكلم».

بقلم :  خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق