الأولى

حديث الصباح: عقلية “خو مول الباش”

سناء العاجي
علينا مواجهة العقلية التي تريد محاربة الفساد بشكل آخر من أشكال الفساد والمحسوبية والتخلف

توصلت، منذ بضعة أيام، برسالة من صديق مخرج ومنتج سينمائي يقول فيها إنه، خلال الاجتماع الأخير لغرفة منتجي الأفلام بالمغرب، قال أحد مسؤوليها إن مدير المركز السينمائي يحارب السينمائيين وإنه سيجعله يندم على ذلك على أساس أنه (أي المسؤول في غرفة المنتجين) على علاقة قربى بوزير المالية الجديد، كما له علاقات جيدة مع وزير الاتصال الجديد وأعضاء مكتبه. المسؤول المذكور في «الإيميل» أضاف أن وزير الاتصال الجديد أعطى موافقته المبدئية على سحب تنظيم المهرجان الوطني للفيلم من المركز السينمائي المغربي، وتكليف مؤسسة مستقلة بتنظيمه، تحت إشراف غرفة منتجي الأفلام، كما سيتم تحديد دفتر تحملات لباقي المهرجانات… واللائحة طويلة.
هنا انتهت رسالة صديقي…
أهملتها في البداية قبل أن تثيرني بعض تفاصيلها. في الواقع، لم أحاول أن أعرف إن كان فحواها صحيحا أم لا. لم أحاول معرفة إن كان المنتج المعني على علاقة قربى حقيقية بوزير المالية الجديد، كما لم أحاول البحث عن طبيعة العلاقة التي تربطه بوزير الاتصال ولا بأعضاء مكتبه الجديد.
استوقفني فقط التناقض الصارخ بين ما نطالب به وبين الوسائل التي نعتقد أنها ستمكننا من تحقيق تلك المطالب. قد تزعجنا أشياء كثيرة أو قليلة في طريقة تسيير المركز السينمائي المغربي، عن صواب أو عن خطأ. ومن حق الجميع أن ينتقد تفاصيل كبيرة أو صغيرة في قرارات مديره، نور الدين الصايل، عن صواب أو عن خطأ. المشكل لا يكمن هنا… المشكل أننا ننتقد أسلوب تدبير نعتبره سيئا، ونريد تغييره اعتمادا على… علاقة قربى بوزير المالية… علاقة قربى قد لا يدري وزيرنا الاستقلالي شيئا عن أنها تُستغل في الإعداد لانقلاب سينمائي محتمل تحت سماء مملكة أجمل بلد في العالم.
كيف نندد بالمحسوبية ونلجأ إليها؟ كيف نريد التغيير ونعتمد على الأساليب البالية نفسها؟ كيف نريد بناء مجتمع ديمقراطي بالمناهج المتخلفة نفسها؟ كيف نريد محاربة الفساد بأشكال أخرى من الفساد؟ كيف ننتقد الشيء ونلجأ إليه بشكل آخر؟
إنه ليس دفاعا عن نور الدين الصايل، مدير المركز السينمائي المغربي. إنها ليست حكاية أشخاص أساسا. الأمر يتجاوز ذلك. إنها قضية مؤسسات نريدها سليمة، لكننا نطمح إلى تحقيق ذلك بوسائل معطوبة. مؤسسات نريد أن يطولها التغيير، لكن بالأساليب التقليدية البالية نفسها.
يذكرني هذا بصديقة تحب أن تجهر طيلة الوقت بأنها ملحدة، حتى لو لم يسألها أحد عن قناعاتها الدينية، لكنها في الوقت نفسه فخورة بنسبها «الشريف» وبأنها تتحدر من أسرة «شْريفة». لا تبحثوا عن أوجه التناقض. هي هكذا «خصوصيتنا المغربية» اللذيذة. المركز السينمائي المغربي مؤسسة نراها فاسدة لا تعرف إليها الحكامة طريقا. سنغيرها وسنغير أسس تدبيرها وسنحرمها من المشاريع التي تساهم في تكريس الفساد فيها. كيف ذلك؟ عن طريق قريب أو صديق أو زميل دراسة وصل اليوم إلى مناصب القرار.

هذه ربما هي العقلية التي علينا محاربتها. العقلية التي تريد محاربة الفساد المحتمل بشكل آخر من أشكال الفساد والمحسوبية والتخلف. قد يقول البعض إن علاقة المنتج المعني بالوزيرين ليست أكيدة، وإن هذه العلاقة المحتملة لا تضمن قبولَهما أساسا لمخططات ومقترحات المنتج المعني والمسؤول بغرفة منتجي الأفلام.
مرة أخرى أقول إن الأمر يتجاوز الأشخاص. إنها ليست مرافعة لتبرئة نور الدين الصايل أو نزار بركة أو مصطفى الخلفي (تبرئتهم من ماذا أساسا؟). إنها مشكلة عقليات، وهذا هو الأخطر والأهم. من المحتمل جدا أن نزار بركة ومصطفى الخلفي فوق هذه التصريحات -الغبية، لنقلها صراحة-، وهما على أي حال لا يتحملان مسؤوليتها بتاتا، وهذا أمر مهم وجب التركيز عليه. المشكلة مرة أخرى تتجاوز مجرد الدفاع عن أشخاص بعينهم، مهما كانت مراكزهم أو علاقاتنا بهم. إنها إشكالية عقليات. عقليات تعتبر أنه يكفي أن يكون لها ابن عم لصهر زوجة ابن الجيران في منصب قرار، لكي تعتبر أنها ملكت الكون. عقليات تلوك خطابات الحداثة والتغيير والديمقراطية والحكامة ومحاربة الفساد، لكنها لا تتردد في استعمال الأساليب نفسها التي تنتقدها، كلما أتيحت لها الفرصة لذلك. عقليات لا تنتقد «السيستيم» إلا حين لا تستفيد منه.
أعتقد أن هذا هو التغيير الأول والأساسي. هذه هي الثورات التي نحتاجها. ثورات في العقليات تعلمنا من جديد أننا، إذا أردنا دولة الحق والقانون، فعلينا أن ندرك أننا أول المسؤولين عن ترسيخها. كما قال لي أحد الأصدقاء هذا المساء: «اللي ما كينظفش دارو، ما كينظفش حمام الحومة»…

سناء العاجي: كاتبة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق