fbpx
حوادث

“ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل!…”

إشكالات تعيق إصلاح منظومة العدالة

(الحلقة الثانية)

بقلم: عبد السلام البوريني *

بالأمس القريب كانت المرأة محظورا عليها ولوج سلك القضاء، وبالاجتهاد ونوع من المرونة غزت المرأة سلك القضاء، وكذلك كانت المرأة محرومة من ممارسة التوثيق العدلي، واجتهد المجتهدون، فأصبحت مؤهلة لممارسة التوثيق العدلي، وكل شيء أردناه في هذا البلد يكون ويتحقق، إلا تنظيم وإصلاح خطة العدالة، فهي محظور عليها أن ترى النور وهي مضيئة براقة تسر الناظرين بالتقزيم والوصاية. يا للعجب… وإذا ما سلمنا بقبول الكاتب بالعدل والشاهدين، فإن واقع الممارسة يطرح إشكالات قانونية، يصعب تخطيها، ومنها مثلا في حالة ارتكاب الكاتب بالعدل جناية أو جنحة أو ارتكب مخالفة، فما هو القانون الذي سيطبق عليه؟ هل القانون الجنائي الوضعي؟ أم قانون الشريعة الإسلامية؟
فإذا طبقنا القانون الجنائي فسيكون حيفا وظلما قاتلا، وإذا طبقنا أحكام الشريعة فسيكون هذا مستحيلا، والذي يمكن أن يكون وجيها وصائبا يجب أن نعمل بمقتضيات القانون المدني والجنائي الوضعيين اللذين أقرا الإشهاد الفردي، وأحكام الشريعة التي أقرت بالإشهاد الفردي والكتابة، وليس عيبا أن نجمع بينهما لتحقيق المصلحة العامة التي هي غاية في التوافق مع احترام النظام العام والمصلحة العامة، خصوصا ونحن المغاربة دولة القانون وليست دولة الشريعة. وبالرجوع إلى الخط المجرد… لكل ما هو مقبول ومؤيد بالدليل القاطع كاليمين والقرائن، وما لم تشبه شائبة تزوير تحمل على الامتراء في صحته. أما في مجال المقارنة بين الشريعة والقانون، فإن أهم المسائل التي توصل إليها البحث أنها لا تتفق مع الفقه الإسلامي وهي ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: هي ما قرره قانون الشهر العقاري العيني من توقف نقل ملكية العقار على قيده في السجل العقاري، أي أن القانون يعتبر القيد ركنا من أركان عقد البيع الوارد على العقار، وكان ذلك نتيجة لمبالغته في تطبيق “تطهير” العقار من جميع الحقوق غير المنسجمة. وقد تسبب هذا في صدور أحكام قضائية غير عادلة.
المسألة الثانية: الأساس الذي انطلق منه القانون والقضاء في التفرقة بين المسائل المدنية والتجارية وبين المسائل الجنائية، أساس هش لذلك صدرت عنه أحكام غير صائبة.
المسألة الثالثة: القانون والقضاء وقعا في إفراد وتفريط في مسألة الإثبات بالكتابة، والإثبات بالشهادة وغيرها من الأدلة، ففي مجال القانون المدني أفرط في الاعتداد بالكتابة، وأعطاها قوة مطلقة في الإثبات ملزمة، وفرط في الاعتداد بالشهادة.
وفي القانون الجنائي أفرط في الاعتداد بالشهادة، حتى إنهما يقبلان شهادة الواحد، فيما لا يقبل فيه الفقه الإسلامي إلا شهادة أربعة شهود، وهو الزنا.
‏‪ولو وازنت بين موقف القانون والقضاء من الكتابة وبين موقفهما من الشهادة لوجدت تشديدا واحتياطا في شأن الكتابة، وتساهلا لا معنى له في شهأن الشهادة، ولوجدت القاضي محروما من ممارسة سلطته التقديرية في مجال الإثبات بالكتابة، ومتمتعا بسلطة تقديرية أكثر مما ينبغي أن يتمتع به في مجال الاثبات الجنائي.
ومن ثم يجب إعادة النظر في شأن الكتابة والشهادة والاثبات بهما، كما يجب إعادة النظر في السلطة التقديرية التي يتمتع بها القاضي في المجال المدني والمجال الجنائي.
حجية الشهادة: الشهادة من وسائل الإثبات، والكتابة من وسائل الإثبات، وحبذا لو اجتمعا قطعا لدابر النزاع الفقهي والقانوني.
وأما صندوق الإيداع، سنخصص له بحثا خاصا. والتأديب، أصبح سنة مؤكدة وهي سنة عالمية، لا توجد هيأة منظمة بقانون إلا ولها مواد تأديبية مسندة لمجلس الهيأة إلا هيأة العدول، لذلك أصبح من الضرورة الحتمية إلغاء المادة 48 من قانون 16‪.03 التي تعتبر مخالفة للمادة 1 من المسطرة الجنائية التي ورد فيها “كل مهتم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانونا بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية. يفسر الشك لفائدة المتهم. وبالتالي تشم من مادة 48 رائحة العداء للممتهنين، وبسط يد التحجير عليهم، وحري بالمحاور العدلي أن يتسلح بالمرجعية والمنهجية والثوابت التي يجب على كل جهة أنيطت بها مهمة صياغة مواد مشاريع القوانين، عليها أن تعتمد الثوابت اغير القابلة لللتنازل أو التغيير والتي صنفتها اللجنة الوطنية للإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة تحت إشراف السيد: وزير العدل والحريات، ونستغرب كيف تراجع السيد وزير العدل والحريات عما اقتنع به وقرره، وقال كلمته في حقه، كما تلا التوصيات التي خرج بها المنتدى العربي للتوثيق بمراكش والتي نعتبر تطبيقها السبيل الوحيد للخروج من النفق المسدود وهي خريطة الطريق ومفتاح العمل الجاد وهي كالتالي:
‏1 ‪- نقترح علاوة على ما سطر أعلاه وسطرته لجنة الحوار الوطني تجريد القاعدة القانونية بمفهومها العلمي والفلسفي والفقهي والقانوني الشامل، ومقاربتها، لكل ما يخالف معنى التجريد مع بعدها الفقهي والقانوني والحضاري. وبالوضوح يجب على المشرع أن تكون له عقلية التجريد والشمولية، فالقاعدة القانونية توضح بميزان التجرد، فهو لا يشرع لفئة بعينها، بل يشرع للأمة ويتجرد من كل الأهواء، وأنواع التمييز، والعنصرية، وإظهار الفوارق الطبقية، والميل الطائش – كما وقع في عهد حكومة عباس الفاسي، التي زكت اختلالات الموثقين والاحتيالات والسرقات والنصب والاحتيال على أموال المواطنين، وكافأتهم بإصدار قانون 32‪.09 وبالمادة 93 الفقرة 2 من القانون المالي سنة 2010، التي حرمت منها فئة عريضة من الموثقين العدول، وخوصصت السكن الاجتماعي للموثقين، ضاربة عرض الحائط بمبدأ المساواة التي تسعى إلى تحقيقها بين الجنسين، وهي عاجزة عن تحقيقها حتى بين الجنس الواحد، فأين هي حقوق المواطنين؟ وهكذا هدرت حقوق العدول سواء كانت حقوقا مكتسبة أو واجبات، أو اختصاصا. وفضلوا التمييز والعنصرية، ونحن لهم بالمرصاد، ونندد بهذا السلوك ونقول لا تقزيم، ولا إقصاء ولا توليج ولا محاباة. وسيرى الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
*رئيس الهيأة الوطنية للعدول سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى