fbpx
ملف الصباح

العلاج بالدين… الوهم

شيوخ وأطباء تخصصوا في علاج الأمراض المستعصية واستخدموا الدين للإيهام بفعالية وصفاتهم
لكل داء دواء، مقولة لا تسمن ولا تغني من جوع بالنسبة إلى مرضى فقدوا الأمل في الطب والأدوية، لينتقلوا للبحث عن أصل الداء والمرض، محفزين بعرض علاجي جديد، اختار مختلف قنوات التواصل للتسويق لفعاليته. يتعلق الأمر بشيوخ ومعالجين و”أطباء”، استغلوا مواقع التواصل الاجتماعي للترويج لوصفات غريبة، تضمن الشفاء التام خلال أيام، كما فتحوا محلات لتقديم خدمات علاجية واستخدموا الدين (الطب النبوي) لتهييء مخاطبيهم من المرضى نفسانيا لتقبل أي علاج، وتجنب الخوض في موثوقيته.
كبسولات مصورة ما فتئت تروج في “اليوتيوب” و”فيسبوك”، تتضمن وصفات لعلاجات غريبة، سرعان ما تسبب بعضها في مضاعفات صحية لمرضى وحالات مفاجئة في عدة أحيان ، أمام صمت وزارة الصحة، واحتجاج أطباء ومصنعي دواء، لم يفلح في احتواء الظاهرة، التي تحركت الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري “الهاكا” ضدها، من خلال وقف برنامج إذاعي، تضمن “فتاوى” طبية غير صحيحة، في الوقت الذي تشير إحصائيات السوق إلى مدى تغلغل هذا النوع من العلاجات في المجتمع، من خلال تراجع استهلاك الدواء، رغم قرارات تخفيض أسعاره.
وبهذا الخصوص، لم يساهم تراجع أسعار الأدوية في تحفيز الاستهلاك، الذي ظل متوسطه السنوي مستقرا عند 9.3 علب دواء سنويا، بعيدا عن المستوى المسجل في فرنسا (48 علبة للفرد سنويا) مثلا.

“أطباء” رغم أنف أبقراط

يستغلون وسائل التواصل الاجتماعي ويستخدمون الدين لتسويق وصفات قاتلة
لم يؤدوا قسم أبقراط أو يلتحقوا بجامعة طب، بل اختاروا التمسك بما ادعوا أنها موهبة «التطبيب» وعلاج المرضى، ووصف دواء لكل داء. يتعلق الأمر بجيل جديد من «الأطباء» ما فتئ يمارس مهنة يستغرق التكوين فيها سبع سنوات على الأقل، ويستغل فورة وسائل التواصل الاجتماعي، من أجل الوصول إلى أكبر عدد من الضحايا، باعتبار أن بعض الوصفات المقترحة من قبلهم، تسببت في مضاعفات صحية وحالات وفاة.
«الأطباء» الجدد اختار أغلبهم خاصية «فيسبوك لايف»، التي تتيح لهم التواصل المباشر والتفاعل خلال بث حي مع الغير، من أجل تقديم وصفات وعلاجات، بلغ بعضها مبلغ الغرائبية، عندما يتعلق الأمر بابتلاع الضب أو القنفذ لعلاج الربو مثلا، إذ يستغل هؤلاء المعالجون الحالة النفسية غير المتزنة لبعض المرضى، من أجل إيهامهم بحلول لمشاكلهم الصحية، وإقناعهم بتناول وفعل أي شيء، ذلك أن المستوى التعليمي ليس محددا دائما للوعي، حين تتوقف حواس الإدراك بعد إحساس المريض باليأس من بلوغ مرحلة الشفاء.
ويتحدث الدكتور عبد اللطيف نواري، اختصاصي في أمراض الجهاز الهضمي، عن استقباله حالات عديدة لمرضى ضحايا «أطباء» الويب، بسبب مضاعفات أدوية أخذوها عنهم، ووثقوا في نجاعتها، ما تسبب لهم في تعفنات وإصابات حرجة، استدعت تدخلات جراحية في مراحل متأخرة، منبها إلى صعوبة تتبع نشاط هؤلاء «المعالجين»، وتصحيح ما يروجونه من مغالطات طبية، ذلك أنهم يعتمدون على الأنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، التي تصعب السيطرة عليها.
ويستغل هؤلاء «الأطباء»، حسب نواري، ميل الناس إلى التداوي بالطب البديل والعلاجات بالأعشاب والمنتوجات ذات المنشأ الطبيعي، في ظل استعار الحملة ضد الأدوية المصنعة، رغم أنها تظل الأكثر نجاعة ضد أمراض وأوبئة فتاكة، منبها إلى أن بعض مدعي المعرفة والعلم بأصول العلاجات بالأعشاب الطبيعية، يقومون بوجه مكشوف، بانتحال صفة طبيب، والشروع في تشخيص حالات مرضية مزمنة، دون إجراء تحاليل أو فحوصات متقدمة، وصياغة وصفات تتضمن مواد خطيرة على صحة المريض، وتهدد بمضاعفات قاتلة، في حال استمرار تناوله للمادة ذاتها، طيلة فترة معينة.
وينبه الطبيب إلى مخاطر الانسياق وراء «الأطباء» المزيفين، الذين يعملون على استدراج ضحاياهم، من خلال إيهامهم بتجريب العلاج بالأعشاب بشكل تدريجي إلى جانب الأدوية الصيدلانية، الأمر الذي يهدد صحة المرضى، ويتسبب في حالات وفاة مفاجئة في حالات عدة، مشيرا إلى أن أولئك الذين يتبعون علاجات وعقاقير تساعد على زيادة سيولة الدم، يظلون معرضين إلى الإصابة بنزيف قوي، نتيجة الإفراط في تناول وصفات تحوي الثوم والزنجبيل مثلا.
وعبر مصنعو الأدوية عن تخوفهم من وصفات التداوي بالأعشاب، التي وصفوها بـ»الشعوذة»، واستغلال أطباء مزيفين للدين من أجل ترويجها، على مبيعات الأدوية، خصوصا خلال رمضان، فرغم تسجيل انتعاش مبيعات أصناف معينة من الأدوية خلال هذه المناسبة، تحديدا المتعلقة بالجهاز الهضمي، إلا أن استهلاك الأدوية بالسوق الداخلية ما زال متدنيا، ما يعكس حجم تأثير هذا النوع من «المعالجين»، الذين يستغلون أيضا، ضعف الولوج إلى العلاجات العمومية والتغطية الصحية.

تراجع استهلاك الدواء

لم يساهم تراجع أسعار الأدوية في تحفيز الاستهلاك، الذي ظل متوسطه السنوي مستقرا عند 415 درهما للفرد، بزيادة درهمين مقارنة مع سنوات سابقة، في الوقت الذي بلغ متوسط استهلاك المغاربة للدواء 9.3 علب دواء سنويا، ما يعتبر مستوى ضعيفا مقارنة مع دول متقدمة أخرى، مثل فرنسا (48 علبة للفرد سنويا)، ويؤشر على مدى اتساع نفوذ «الأطباء» المزيفين.
بدر الدين عتيقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى