fbpx
ملف عـــــــدالة

دور المحاضر وتقارير الخبراء في التأثير على الأحكام

حضور  صوري للمحامي أثناء تحرير المحضر  وخبراء يضمنون تقاريرهم  تقديرات جزافية

تنص المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية على إعتبار كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة بريئا إلى أن تثبت إدانته قانونا بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية.

محاضر الشرطة القضائية
مبدأ “البراءة هي الأصل” الذي أوردته كل المواثيق الدولية ذات الصلة يحفظ للمشتبه فيه كرامة الشخص البريء ويشترط لإدانته توفر مقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية.
ومفروض أن تكون الضمانات التي يُخولها القانون للمشتبه فيه شاملة لكل الإجراءات التمهيدية كالبحث والتحقيق.
وهنا يبرز دور الشرطة القضائية التي تضطلع بمهمة التثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة عنها، والبحث عن مرتكبيها، وتمارس السلطات التي يُخولها القانون، تحت إشراف ومراقبة النيابة العامة.
وينتهي تدخل الشرطة القضائية بإنجاز محاضر رسمية تحال على النيابة العامة، التي على أساسها تقرر بعد الاستماع إلى المشتبه فيه، إما الإحالة على هيآت التحقيق أو هيآت الحكم المختصة أوالحفظ بمقرر يمكن دائما التراجع عنه.
ولما نعلم أن المسطرة التي تجرى أثناء البحث مشمولة بالسرية.
وأن المحاضر التي يُحررها ضباط الشرطة القضائية للتثبت من الجنح والمخالفات، يُوثق بمضمونها إلى أن يثبت العكس.
ورغم أن هذه القوة الثبوتية لا تمتد مبدئيا إلى القضايا الجنائية، ورغم أن القاضي لا يحكم إلا حسب اقتناعه الصميم،
فإن دور الشرطة القضائية وتأثيرها على مجريات المحاكمة يبقى من الأهمية بماكان، إذ غالبا ما يكون المحضر هو السند الوحيد للمناقشة، في غياب وسائل مادية للإثبات، أو شهود للنفي.
من هنا تبرز ضرورة إخضاع مرحلة التحقيق إلى ضمانات فعلية لا تترك أي مجال للشك في ما يخص صحة الإجراءات التي تباشرها الشرطة القضائية.
إلا أن هذه الأمنية تبدو بعيدة المنال، وتتطلب مراجعات جذرية للسياسة الجنائية المغربية.
ولإدراك ثغرات المسطرة الجنائية في هذا الباب، يكفي تتبع وضعية المشتبه فيه خلال فترة الحراسة النظرية التي حددها المشرع في ثلاثة مستويات:
– المستوى الأول : 48 ساعة ابتداء من ساعة التوقيف، قابلة للتمديد لمدة 24 ساعة، بإذن من النيابة العامة.
– المستوى الثاني: في حالة المس بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي: 96 ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة بإذن من النيابة العامة.
– المستوى الثالث:  إذا تعلق الأمر بجريمة إرهابية: 96 ساعة، قابلة للتمديد مرتين بإذن من النيابة العامة.
ويفرض القانون على ضابط الشرطة إشعار عائلة المحتجز، فور اتخاذ قرار وضعه تحت الحراسة النظرية.
إلا أن القانون لم يوفر أي وسيلة للتأكد من أن هذا الإجراء قد احترم، والحالة أن أهميته لا تخفى على أحد، لأن عائلة المحتجز هي التي ستأخذ العدة لتنصيب محام للدفاع عن مصالح قريبها.
فغالبا ما يورد محضر الشرطة القضائية أنه تم إشعار عائلة المعني بالأمر من دون أي توضيح في ما يخص تاريخ الإشعار والجهة التي تلقته وكيفية إنجازه.
وتكتفي المحكمة بتسجيل ما تضمنه محضر الشرطة القضائية، لتؤكد حصول الإشعار.
وحتى لما يتم الإشعار بصفة فعلية أو تعلم العائلة باعتقال قريبها، فإن دفاع هذا الأخير لا يمكن له أن يتصل بمؤازره إلا خلال فترة تمديد الحراسة النظرية، مما يعني أن كل شخص موضوع تحت الحراسة النظرية يكون وحيدا وبقوة القانون في مواجهة الشرطة القضائية:
– لمدة يومين بالنسبة إلى المستوى الأول للحراسة النظرية.
– لمدة أربعة أيام بالنسبة إلى المستويين الثاني والثالث.
وحق الاتصال هذا، محدود إذا تعلق الأمر بجريمة إرهابية أو الجرائم التي تمس بأمن الدولة، أو جرائم العصابات الإجرامية أو القتل أو التسميم أو الاختطاف وأخذ الرهائن، أو تزييف أو تزوير النقود أو سندات القرض العام أو المخدرات والمؤثرات العقلية أو الأسلحة والذخيرة والمتفجرات، أو حماية الصحة، إذ يمكن للنيابة العامة تأخير اتصال المحامي بموكله بناء على طلب من ضابط الشرطة القضائية، “إذا اقتضت ذلك ضرورة البحث”، مع كل ما يحتمله هذا التعبير الفضفاض.
وحتى لما يَنْفَذَ المحامي إلى مؤازره، فإن الأمر يبقى مجرد اتصال لمدة لا تتجاوز ثلاثين دقيقة، وتخضع المقابلة لمراقبة ضابط الشرطة القضائية، ولو في ظروف تكفل سريتها.  مما يعني أن المحامي غير مرخص له بحضور الإجراءات الجوهرية المتعلقة بالاستنطاق، وتحرير المحضر، وإطلاع المعني بالأمر عليه وتوقيعه من طرفه.
فكل هذه الإجراءات تتم في خلوة تامة مما يجعل كل منازعة في فحوى المحضر والتصريحات والاعترافات الواردة فيه مستحيلة واقعيا.
ودور المحامي يبقى شبه رمزي لأن ما يمسح به القانون من تقديم وثائق أو ملاحظات كتابية للشرطة القضائية أو للنيابة العامة قصد إضافتها إلى المحضر مقابل إشهاد لا تأثير له على ضرورة فرض مراقبة شفافة على كل مراحل التحقيق خلال وجود المشبوه فيه لدى الشرطة القضائية.
لذا تنادي جهات حقوقية بضرورة إخضاع كل الإجراءات المنجزة خلال فترة الحراسة النظرية إلى التسجيل بالكاميرات، وإرفاق هذا التسجيل إلى المحضر كوسيلة شفافة ومحايدة لإثبات كل مجريات البحث، من ظروف الاستنطاق ومضمون التصريحات الصادرة عن كل طرف معني.
إلا أن الأمر يبدو كذلك بعيد المنال نظرا لما آلت إليه الضمانات القانونية من تضييق منذ أحداث 16 مايو 2003.
أمام هذه الوضعية ستبقى لمحاضر الشرطة القضائية حجية مشبوهة بالنظر إلى ما تفرضه المواثيق الدولية.

تقارير الخبراء
يعد الخبير القضائي من إبرز مساعدي القضاء الذين لهم تأثير مباشر على منهجية الفصل في القضايا المعروضة على القضاء.
فغالبا ما تطرح على القضاء أسئلة تقنية أو علمية لا يمكن الفصل فيها إلا بعد أخذ رأي أصحاب الاختصاص بشأنها.
ورغم أن القانون ترك للقاضي حرية تقدير مضمون كل خبرة والاستئنــاس به، فغالبا ما تتبنى المحكمة ما خلص إليه الخبير حتى لما يفتقد الإجراء بعض الضمانات الواردة في القانون أو المواصفات التي أفرزها الاجتهاد القضائي، والتي لا تختلف كثيرا بين قانون المسطرة القضائية وقانون المسطرة الجنائية.
فالمنطق السليم يقضي بأن تناط الخبرة بالمتخصص، صاحب الرأي المسموع،  إلا أن بعض التعيينات لا تحترم هذا المبدأ الذي كرسه المجلس الأعلى ( قرار المجلس الأعلى عدد 438 الصادر بتاريخ 6/2/2003، في الملف المدني عدد 1681-2002 ) خصوصا في الخبرات الطبية، فنرى مثلا ضحية في حادثة سير مصابا في الرأس يحال على خبير يمارس الطب العام أو طبيب مختص في أمراض الخصوبة.
فتقضي المحكمة على أساس خبرة لا تطبعها المهنية اللازمة لسبب بسيط هو ضرورة التدرج في جدول الخبراء وكأن هذه الضرورة أسمى من حق أي شخص في الفصل في قضيته بالعدل والإنصاف اللازمين.
بالإضافة إلى ذلك، نادرا ما يُحترم حق الأطراف في إمكانية تجريح الخبير، والمنازعة في تعيينه للأسباب التي يحددها القانون، أو حقهم في تقديم ملاحظات بشأن هذا التعيين كتلك التي لها ارتباط بالاختصاص.
إذ يفرض المنطق الذي كرسه كذلك المجلس الأعلى إلا أن يبلغ المقرر القضائي بتعيين الخبير إلى الأطراف حتى يفتح لهم حق التجريح داخل أجل خمسة أيام من تاريخ هذا التبليغ ( قرار المجلس الأعلى عدد 1129 الصادر بتاريخ 8/7/2009 في الملف التجاري 680-3-1-2007).
إلا أن الواقع يسير عكس ذلك، إذ يقتصر الأمر على تبليغ “إشعار” إلى الجهة المكلفة بأداء واجب الخبرة، أما باقي الأطراف فلا يتم تبليغهم وفقا لما يفرضه القانون، وكم من حق في التجريح تم هدره بهذه الكيفية.
ثالث ضمانة وضعها المشرع، ولا تحظى بما يلزم من اهتمام هي ضرورة إنجاز ما يسمى محضر الحضور من لدن الخبير يُضَمِّنُ فيه أقوال الأطراف وملاحظاتهم ويوقعون معه عليه ويرفق هذا المحضر إلى التقرير الذي يرفعه الخبير إلى المحكمة.
ويهدف هذا الإجراء الذي أدخله القانون 00-85على الفصل 63 من قانون المسطرة المدنية تمكين القاضي من وسيلة شفافة وفعالة للإطلاع على كل ما راج بالخبرة والتأكد من هوية الأشخاص التي حضرت الإجراء ردءا لكل منازعة. إلا أن هذه الضمانة غير مفعلة، بذريعة أن المشرع لم يرتب عن عدم توفرها أي جزاء.
وليست شكليات الخبرة وحدها هي المثيرة للقلق بل كثيرا ما تناط بالخبير سلطة تقدير حقوق الأطراف.
وكم من خبرة تضمنت مجرد تقديرات جزافية، وثم اعتمادها والحكم على أساسها، بوازع الإنتاج وبذريعة تسريع البت في القضايا.
وتبقى علاقة الخبير بالمحكمة بصفته مساعدا بارزا للقضاء من المعادلات التي ستفرض نفسها على ورش إصلاح القضاء الذي نتمناه إصلاحا شاملا ومرضيا.

محمد بن عبد الصادق محام وبرلماني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق