ملف عـــــــدالة

القضاة يتنازلون عن صلاحياتهم لفائدة البوليس

اللوم لا ينبغي توجيهه إلى الشرطة أو المشرع وإنما إلى بعض الاتجاهات القضائية المتنازلة عن صلاحياتها التقديرية

لقد نص المشرع المغربي في قانون المسطرة الجنائية (المادة 290) على إمكانية إثبات عكس ما يرد في محاضر الضابطة القضائية حينما اعتبر أن محاضر الضابطة القضائية يوثق بمضمنها في الجنح والمخالفات إلى أن يثبت ما يخالفها بأي وسيلة من وسائل الإثبات. أي بمفهوم المخالفة أنه لا يوثق بمضمن هذه المحاضر إذا ثبت ما يخالفها، ولكن الاتجاه القضائي السائد حاليا يرفض فتح باب إثبات عكس ما ورد بهذه المحاضر وهو ما يجعلنا في مواجهة أزمة نفي يصطدم بها كل من يفكر في نفي صحة ما جاء في هذه المحاضر.
يجب أن نؤكد أن الدفاع وخاصة دفاع المتهمين ليس لديه أي عداء لمحاضر الضابطة القضائية، لأن مجموعة من المحاضر لا يمكن أن تنظر إليها إلا نظرة احترام بالنظر إلى المهنية والاحترافية والحيادية العالية التي تنجز بها بواسطة عناصر ذات مستوى عال من التكوين والانضباط سواء داخل صفوف الدرك الملكي أو الشرطة، وهذا النوع من المحاضر يمكن للقضاء أن يأخذ به عن قناعة وهو مرتاح الضمير.  
ولكن بالمقابل هناك محاضر خالية من الحيادية والمهنية، بل قد تصل أحيانا إلى حد التلفيق والافتراء، بعد أن يتحول محرروها إلى أطراف منحازة ضد أطراف أخرى خاضعة للبحث، وهو ما يجعل هذه المحاضر محل تشكك مشروع، ومن المفروض ألا يبني عليها القضاء أحكامه التي تصدر باسم أعلى سلطة في المملكة. إن العلاقة بين القضاء ومحاضر الضابطة القضائية لا ينبغي أن تخضع لتحليل طفولي يفكر بمنطق الغلبة، من يغلب من؟ ولكن القضاء يجب أن يتعامل مع هذه المحاضر بمسؤولية. فلا يمكن أن نطالب القضاء بأن يرفض كل محاضر الضابطة القضائية، كما لا يمكن أن نرضى بالاتجاه القضائي السائد حاليا والذي يتجه نحو قبول كل محاضر الضابطة القضائية في الجنح والمخالفات دون استثناء. ورغم أن المجلس الأعلى نفسه يؤكد في قراراته المبدئية أن محاضر الضابطة القضائية في الجنح والمخالفات تخضع للسلطة التقديرية لقضاء الحكم، إلا أننا نجد أن هذه السلطة تتعطل لدى العديد من القضاة الذين يميلون إلى المصادقة على ما يرد في هذه المحاضر للهروب من تعقيدات إخضاع هذه المحاضر للتمحيص والتقييم والترجيح، وهو ما يستدعي من القاضي مجهودا أكبر وكفاءة أكثر على مستوى صياغة الحكم وتعليله والبحث عن حيثية أخرى بديلة عن أشهر حيثية لدى قضاء الجنح والمخالفات وهي:  «وحيث إن محاضر الضابطة القضائية في الجنح والمخالفات يوثق بها… الإدانة».
إن تتبعنا للعمل القضائي الزجري بخصوص الجنح والمخالفات ومعاينتنا للمكانة الاستثنائية التي تحتلها محاضر الضابطة القضائية في وجدان الكثير من القضاة ، والحالات النادرة المعدودة والمحصورة التي خرج فيها بعض القضاة عن «الإجماع القضائي» حول قدسية نصوص الضابطة القضائية واستبعدوا محاضر أو أبطلوها أو أبطلوا بعض الإجراءات المرتبطة بإنجازها.
إن تأمل هذا «الإجماع القضائي» لا يفيد إلا خلاصة واحدة هي أن محاضر الضابطة القضائية تتصف بالكمال و لا يعتريها الخطأ ولا النسيان، ولا يتصور فيها التحريف أو النسيان، مع أن الواقع يشهد بوجود محاضر حررت بمهنية وحيادية وموضوعية، كما يشهد بوجود محاضر تخللتها أخطاء أو عيوب مسطرية غير مقصودة، وشهد كذلك بوجود محاضر خرجت عن المهنية وارتكبت فيها انحرافات جنائية.
وهذا يثبت أن العمل القضائي الزجري لا يمارس رقابة ناجعة وفعالة على هذه المحاضر ويعطي شهادة عذرية غير حقيقية للعديد من المحاضر الفاسدة.
وهو ما يفرض إعادة النظر في هذا «الإجماع القضائي»، وقبول فكرة أن محاضر الضابطة القضائية عمل بشري قابل للأخذ والرد.
لذلك فحينما ندعو القضاء إلى أن يمارس رقابته على محاضر الضابطة القضائية ويقبل عليها حين يجب الإقبال، ويدبر عنها حين يجب الإدبار، فإنما ندعوه بذلك إلى تقديم خدمة وطنية تساهم في تطوير عمل الضابطة القضائية وتدفعه نحو الاحترافية والمهنية والجودة. فإذا كان ضابط الشرطة القضائية بصيرا، وكان القاضي المكلف بتقييم محضره بصيرا أيضا فلا يمكنك إلا أن تنتظر حكما قضائيا راقيا فوق السحاب، أما إذا كان ضابط الشرطة القضائية أحول والقاضي المكلف بتقييم محضره أعمى فانتظر آنذاك حكما زائغا عن سكة الصواب. وإذا أصبحت محاضر الضابطة القضائية حاليا هي التي تحدد مصير الأشخاص المقدمين للعدالة في الجنح والمخالفات ، فإن المسؤول عن ذلك هو القضاء، لأن الضابطة القضائية تقوم بعملها ـ بغض النظر عن نوعية هذا العمل ـ في حين لا يمارس العديد من القضاة الصلاحيات المخولة لهم قانونا.
إن الكثير من الممارسين والمحامين أصبحوا لا يؤمنون بجدوى التحقيق ما دام أغلب قضاة التحقيق يكتفون بالبحث في حدود ما سطر بمحاضر الضابطة القضائية دون زيادة أو نقصان.
كما أن الكثير من المحامين أصبحوا لا يحسون بوجود مسطرة اسمها البحث التكميلي المخولة لقضاة الحكم لتجاوز نقائص المحاضر وللوصول إلى الحقيقة، لأن المحامين أصابهم التعب من طلبها دون أن يستجيب أغلب القضاء لطلباتهم.
بل إن بعض المحامين أصبحوا يؤمنون بعدم جدوى المرافعة في مواجهة محضر ضابطة قضائية يتضمن اعترافا بجنحة أو مخالفة معروض على قاض عاجز عجزا مهنيا دائما عن المس بقدسية هذا المحضر بإبطاله أو استبعاده ، وعاجز عجزا مؤقتا عن إعطاء المتهم حقه في إثبات خلاف ما ورد بالمحضر، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع نسبة التشويه الجمالي الذي يصيب المحاكمة في عدالتها وتوازنها.
إننا لا نطلب من القضاء أن يرفض محاضر الضابطة القضائية ولكن فقط أن يقبل هو مناقشتها، لأن القضاء وإن كان يقبل مناقشة هذه المحاضر من طرف الأطراف و الدفاع، فإن المشكلة الكبرى هي أن القضاء يرفض أن تكون هذه المحاضر موضوع مناقشة لديه في قناعاته الداخلية.
إذن فأصل المشكلة هو نفسي وعاطفي بالدرجة الأولى، فالمشكلة ليس مصدرها عناصر الضابطة القضائية لأن هؤلاء يقومون بأعمالهم، ما هو صالح منها و ما هو دون ذلك، والمشكلة ليس مصدرها أيضا المشرع ، لأن هذا الأخير فتح الباب لإثبات عكس ما يرد في هذه محاضر الضابطة القضائية في الجنح والمخالفات (المادة 290)، ونص صراحة أن المحاضر لا يعتد بها إلا إذا كانت صحيحة في الشكل (المادة 289) واعتبر هذه المحاضر مجرد معلومات في الجنايات ( المادة 291)، كما أنه لم يمنع القضاة من استبعاد محاضر الضابطة القضائية وإنما ترك لهم سلطة تقدير للأخذ بها، أو عدم الأخذ بها، شريطة التعليل، وهو ما كرسته أعلى محكمة بالمملكة وهي المجلس الأعلى.
ولكن المشكلة تكمن في هذا الحب والتعلق الشديد بمحاضر الضابطة القضائية والذي تحول إلى شغف سكن قلوب العديد من القضاة ، ولما كان الحب يعمي ويصم كما يقال، فقد كان طبيعيا ألا تنفع تحذيرات الدفاع من بعض المحاضر المحبوبة دون وجه حق، ولا أن تفلح مرافعات المحامين  ولا كلمات الصد التي يحاولون إسماعها لبعض القضاة في زعزعة هذا الحب أو النيل منه. لذلك فموقفنا واضح وكلمتنا للقضاة الممارسين في مجال القضاء الزجري هي أن هناك فعلا محاضر ضابطة قضائية تستحق حبهم، ولكن هناك بالمقابل محاضر أخرى لا تستحق هذا الحب لأن عيوبها وتشوهاتها كافية للنفور منها.
يوسف وهابي المحامي بالجديدة

ومدير مجلة الملف

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق