fbpx
ملف عـــــــدالة

محاضر أمنية في قفص الاتهام

الوضع يفرض تدخل المشرع بنص قانوني حاسم لمنع استمرار الزج بأبرياء في السجون

ليس من الغريب، في بعض المحاكمات، أن ينفي المعتقلون في ملفات معينة ما يواجههم به القضاة من “حقائق”، باعتبارها وردت في تصريحاتهم المسجلة في محاضر الضابطة القضائية، ويؤكدون أن المحاضر المنجزة تضمنت معلومات ومعطيات لم تأت في أقوالهم، فيما يؤكد آخرون أنهم أجبروا على التوقيع على المحاضر دون أن يسمح لهم بالإطلاع عليها، وهو الأمر الذي غالبا ما يخلق جدلا كبيرا في قاعات المحاكم، يثيره المحامون المكلفون بالدفاع عن هؤلاء المعتقلين.
وهناك محاضر منجزة من طرف كتاب الضبط بالمحاكم، لمتهمين يؤكدون أن الضابطة القضائية نسبت إليهم أقوالا واعترافات لم ترد على ألسنتهم، وأن الملفات التي يتابعون فيها أمام القضاء، لا علاقة لها بما اعتقلوا من أجله.
وبات لزاما على المشرع، إزاء عدد الحالات التي سجلت فيها تجاوزات، ضرورة التدخل الفوري لإعادة النظر في آليات اشتغال الضابطة القضائية التي تحولت إلى آلة لإنتاج المحاضر بسرعة قياسية لا تراعي الحقوق والضمانات التي يكفلها القانون للمتهمين، كما أن مؤسسة قاضي التحقيق يجب أن تنهض بدورها الحقيقي عوض الاكتفاء في كثير من الحالات بإصدار قرارت الإحالة اعتمادا على النص الحرفي للمحاضر المنجزة من طرف الضابطة القضائية.
والأكيد أن جوهر المشكل لا يكمن في غياب التشريعات والقوانين، بل في بعض العقليات التي تتحكم في تطبيقها. وفي عدد من المحاكمات، سيما في الملفات الساخنة، تستهلك مرافعات الدفاع المتعلقة بالدفوعات الشكلية المنصبة أساسا على جملة من التجاوزات، أهمها انتزاع الاعترافات وغياب أدلة الإثبات، حيزا هاما من المحاكمة. وفي منع هيآت الدفاع من الاطلاع عن بعض الملفات الموجودة رهن إشارة المحاكم، كما وقع في ملف بليرج مثلا، دليل على وجود خلل ينبغي التدخل لتقويمه حفاظا على سمعة مؤسسة التحقيق، وضمانا لعدم إرهاق وإحراج القضاء بملفات تزج بمواطنين أبرياء في السجن.
وتكشف الأحكام الصادرة من طرف عدد من المحاكم، التي تقضي بتبرئة أشخاص سبق أن توبعوا في حالة اعتقال من طرف الضابطة، صحة هذه الإشكالية، إذ في الوقت الذي تعتقل فيه مصالح الأمن أو الدرك بعض الأشخاص، وتعتبرهم متورطين، وتدعي أنهم اعترفوا، يكون للقضاء رأي آخر في القضية، ويقرر تمتيعهم بالبراءة.
ومن خير الأدلة القوية والصارخة على هذه الإشكالية، تحرير ثلاثة محاضر، قبل مدة، في قضية وفاة واحدة. حادث الوفاة، حسب شكاية لإحدى الأسر تقطن بضواحي الناظور، يلفه الكثير من الغموض والالتباس، خصوصا بعد التناقض الذي ورد في محاضر الضابطة القضائية للدرك الملكي، التي في كل مرة تنسب الوفاة إلى سبب جديد لا علاقة له بالأول، ما جعل أفراد الأسرة يمتنعون عن تسلم جثة الهالك، إلى حين الكشف عن أسباب الوفاة الحقيقية. وحررت الضابطة القضائية ثلاثة محاضر رسمية، كل واحد منها يتناقض بشكل غريب عن الأول، إذ جاء في المحضر الأول، أن الوفاة ناتجة عن «حادثة سير»، وفي الثاني «بسبب سكتة قلبية»، بناء على تقرير الطبيب الشرعي، فيما يشير المحضر الثالث إلى أن الضحية «مات منتحرا».
ووجهت الأسرة شكايات إلى كبار المسؤولين، كما ربطت اتصالات بجمعية «محامون بلا حدود» بأروبا وفرع منظمة حقوق الإنسان بسويسرا، التابعة لهيأة الأمم المتحدة، من أجل مساندتها للكشف عن أسرار هذه المحاضر التي ترجع وفاة واحدة إلى ثلاثة أسباب في غاية التناقض.
وغالبا ما يقدم العديد من الأشخاص إلى العدالة، ويوضعون رهن الاعتقال الاحتياطي، بسبب محاضر تضمنت معلومات غير صحيحة. لكن المحاكم، التي غالبا ما تستند إلى محاضر الضابطة القضائية، في بعض الأحيان، تصدر أحكاما تصحح في ما بعد بإصدار قرارات العفو الملكي، خصوصا حينما يتبين أن الكثير من المحاضر تضمنت معطيات لا أساس لها من الصحة.
محمد البودالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق