ملف عـــــــدالة

قواعد قانونية معطلة أمام محاضر الشرطة والخبرة

قضاة الحكم أو التحقيق يضعون “اقتناع القاضي” في خانة الانتظار

لم يتناول المشرع وسائل الإثبات التي في المسطرة الجنائية التي يجب مناقشتها أمام هيأة المحكمة، اعتباطا، وإنما ذهبت غاية المشرع إلى تأكيد نقطة مهمة ضمن مسلسل المحاكمة وهي مناقشة وقائع القضية واستعمال الوسائل المتاحة قانونا في إثبات لجرم أو نفيه كما هو مسطر في المادة 286 من قانون المسطرة المدنية التي تفيد أنه يمكن إثبات الجرائم بأيوسيلة من وسائل الإثبات، ما عدا في الأحوال التي يقضي القانون فيها بخلاف ذلك، ويحكم القاضي حسب اقتناعه الصميم ويجب أن يتضمن المقرر ما يبرر اقتناع القاضي. وإذا ارتأت المحكمة أن الإثبات غير قائم صرحت بعدم إدانة المتهم وحكمت ببراءته. والمادة التي تليها تؤكد أنه
لا يمكن للمحكمة أن تبني مقررها إلا على حجج عرضت أثناء الجلسة ونوقشت شفهياً وحضورياً أمامها.
ما يفيد أن المحكمة خلال تعليلها لحكمها يجب أن تضمنه ما نوقش أمامها، وأن ينبني الحكم الصادر على ذلك وإلا كان معيبا، إلا أن الملاحظ أن هناك خروجا عن هذه القواعد القانونية، خاصة في النقطة المتعلقة بقناعة القاضي، أو بالأحرى اقتناعه، فالحيثيات التي تؤسس معظم الأحكام الصادرة تنبي في غالبها إما على ما تضمنته محاضر الشرطة القضائية، رغم أن المادة 289 من القانون نفسه تفيد أنه لا يعتد بالمحاضر والتقارير التي يحررها ضباط وأعوان الشرطة القضائية والموظفون والأعوان المكلفون ببعض مهام الشرطة القضائية، إلا إذا كانت صحيحة في الشكل وضمن فيها محررها وهو يمارس مهام وظيفته ما عاينه أو تلقاه شخصياً في مجال اختصاصه. وإذا كانت المادة 290  تعطي نوعا من الشرعية للمحاضر في المادة الجنحية وتجعل أنه يوثق بمضمونها، إلى أن يثبت العكس بأي وسيلة من وسائل الإثبات، فالملاحظ أن قضاة المحاكم يقفون عن النقطة الأولى، ولا يعيرون لملتمسات بطلان المحاضر التي يمكن أن تثار في جلسات المحاكمة أي أهمية، وتصبح بذلك صك الإدانة الذي تعتمد عليه المحكمة في تعليل حكمها، باللازمة المشهورة” وحيث أنه حسب ماهو مضمن بمحاضر الأشرطة … وحيث أن إنكار الظنين مجرد محاولة… وحيث … وحيث…”.
وتأتي في المرتبة الثانية من الحيثيات التي يرتكز عليها القضاء في الحكم ويؤثث بها أحكامه الخبرات القضائية سواء في المجال التجاري الذي تكون فيه الخبرة هي الحكم ويوثق بمضمونها رغم أنها في حالات معينة تكون غير حقيقية وتتضمن مغالطات، والخبرات في القضايا الجنحية وقضايا الأسرة خاصة في الشق المتعلق بالتحجير التي تكون فيه الخبرة هي الفيصل في القضية، ويمكن في حال عدم التأكد من صحتها التجني على لأموات قبل الأحياء كما هو حال السيدة التي توفيت في فاس ووجدت نفسها ضمن منطوق حكم بالتحجير عليها، بناء على حيثيات خبرة لم يكتف الخبير فيها بمجرد نقل حالة المريضة إن صح الكشف عنها وإنما أعطى لنفسه الحق في تعيين وصي عليها بإقراره في نص الخبرة ” جل تلك الاضطرابات تجعل المصاب بالخرف الشيخي غير قادر على التعبير عن إرادته، ويمكن استغلاله بسهولة، وعليه فهو غير قادر على تسيير شؤونه المالية والمدنية والقانونية ويجب إعفاؤه منها لممثله الشرعي”. وهي الحيثية التي اعتمدت عليها المحكمة دون أن تظهر في منطوق الحكم ما إذا كانت استعمت إلى الخبير  وناقشت ما تضمنته الخبرة وعاينت المتوفية المحجور عنها قبل “الوفاة أو بعدها”.    
إن الملاحظ أن قضاة الحكم أو قضاة التحقيق أو حتى النيابة العامة التي يفترض فيهم أن يكونوا أول من  يؤمن بالقاعدة القانونية  التي تنص عليها المادة الأولى من قانون المسطرة الجنائية،  باعتبار أن ” كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانوناً بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به، بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية، يفسر الشك لفائدة المتهم”،  لا يؤمنون بها،  رغم أنه من حق كل شخص الحصول على محاكمة عادلة، تقتضي تمتيع المشتبه فيه بجميع الضمانات القانونية التي يضمنها القانون وبالأخص قانون المسطرة الجنائية والمواثيق الدولية التي صادق عليها المغرب، بدءا بالبحث مرورا بالتحقيق ثم المحاكمة.
لكن الملاحظ هو أن أغلب تلك الإجراءات القانونية الرامية إلى منح المشتبه به أو الظنين أو المتهم ضمانات قانونية في إطار المحاكمة العادلة، تبقى حبرا على ورق، في قضايا معينة، خاصة أن المواطن بجهله للقوانين التي من المفترض فيه أن يكون على علم بها يساهم إلى حد كبير في ممارسة تلك التعسفات من قبل الأجهزة المفترض فيها السهر على حماية وتطبيق القانون.
كريمة مصلي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق