ملف عـــــــدالة

محاضر الضابطة القضائية والتناسب بين الفعل والعقاب

معاييرها تتعرض للاختلال كلما تعلق الأمر بتحريف أو تغيير في الحقائق بالزيادة أو النقصان

تفيد محاضر الضابطة القضائية حسب  قانون المسطرة الجنائية أن المتهم إذا رفض التوقيع، يجب على الضابط المكلف بإنجاز المسطرة أن يدون ذلك في المحضر. والقانون ينص على أن لهذه المحاضر قوة ثبوتية في ما يتعلق بالجنح، لأن محضر الضابطة القضائية يوثق بمضمونه، ما لم يثبت العكس، ولا يمكن الطعن فيه، بموجب ذلك، إلا بالزور. أما في ما يتعلق بالجنايات، تبقى محاضر الضابطة مجرد بيانات للاستئناس، لكن غرف الجنايات في المغرب لا تنظر إليها، في غالب الأحيان، بهذه النظرة، وتقرر إدانة المتهمين رغم تشبثهم بالإنكار في الكثير من القضايا.
وإذا ما حدث أن تضمن محضر ما للضابطة القضائية بعض التجاوزات، فإن القاضي، كما يرى أحد رجال القانون، لا يمكنه من تلقاء نفسه أن يعتبر المحضر مزورا أو مطبوخا أو مفبركا إلا إذا أثير ذلك من طرف المتضرر من هذا المحضر، ومن خلال شكاية رسمية، لكن مبادئ العدالة تقتضي من القضاء أن يتحرى في صدقية المحاضر لأنه لا يحكم الا طبقا لاعتقاده الصميم ولا يمكن أن يدين الشخص إلا بناء على حجج عرضت أمامه ونوقشت شفهيا وحضوريا، لأن ذلك يعتبر من المبادئ الأساسية لتحقيق المحاكمة العادلة.
وأشار المصدر ذاته إلى أن القاضي يكون ملزما بالتحري حول صدقية هذه المحاضر، وفي حال ما إذا انتابه أي شك في صدقيتها، يمكنه اللجوء إلى إجراء بحث تكميلي، فيتحول بذلك من قاض حكم إلى قاض للتحقيق، دون أن يتعارض ذلك مع أي مبدأ قانوني، لأن المشرع خول له هذه الصلاحية، سواء من تلقاء نفسه، أو بناء على طلب.
وقد خول المشرع المغربي، لأي متهم يشكك في صدقية محاضر الضابطة القضائية، أن يقدم شكاية للطعن بالزور شريطة أن يدعم شكايته بوثائق أو حجج أو شهادات شهود أو معاينات أو بأي وسيلة أخرى يمكنها أن تفيد التحقيق وتكشف الحقيقة، وإذا ما أثبت التحقيق القاضي أن ضابطا ما ارتكب تجاوزات أثناء تحريره المحضر، فإن القانون يسري عليه، لأنه يكون في هذه الحالة ارتكب جناية التزوير في محرر رسمي، مشيرا إلى أن المشرع المغربي، في إطار حرصه على حماية حقوق وصيانة مصالح المتقاضين، سواء كانوا متهمين أو مطالبين بالحق المدني، نص على عقوبات مشددة لمقترفي التزوير في محاضر الضابطة القضائية.
ولأجل كل ذلك، ينادي حقوقيون بتفعيل الرقابة القانونية الصارمة على عمل الضابطة القضائية التي تتولى تحرير المحاضر، لأن الموضوع أخطر مما يمكن تصوره، لكونه يشكل، في العمق، أساسا للعدالة القضائية المبنية على معيار التناسب بين الفعل والعقاب الذي قد يختل كلما تعلق الأمر بتحريف في المحاضر وتغيير الحقائق بالزيادة أو النقصان.
وخلاصة القول، إذا كانت محاضر الضابطة القضائية تعتبر المرجع الأول لتكييف الاتهامات من حيث التشديد أو التخفيف، فإن وقوع بعض «الهفوات» غير المتعمدة، يمكن تجاوزها، لكن شريطة أن لا تصل حد الأخطاء الجسيمة التي تؤثر بطريقة سلبية على مسار ومجرى المحاكمة، لأن جميع المواثيق القانونية والحقوقية تدعو إلى إناطة مهام إعداد المحاضر إلى ضباط يتمتعون بالكثير من الاستقامة و الوعي القانوني.

محمد البودالي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق