fbpx
ملف عـــــــدالة

محاضر الضابطة القضائية بين القانون والواقع

لاشك في أن التحولات السياسية التي عرفها المغرب منذ ما عرف ببداية المسلسل الديمقراطي وحكومة التناوب في نهاية القرن الماضي قد انعكست على السياسة الجنائية بالمغرب بصدور الظهير الشريف رقم 255-02-1 المؤرخ في 25 رجب

1423 الموافق لـ 3 أكتوبر 2002 والقانون رقم 22-210 المتعلق بالمسطرة الجنائية.
وبالرجوع إلى القانون الأخير يتضح بأنه يتحدث عن أسباب النزول، إذ نص في ديباجته على ما يلي:
أصبح الاقتناع راسخا بتغيير قانون المسطرة الجنائية الصادر بتاريخ 10 فبراير 1959 منذ بداية السبعينات من القرن الماضي، وقد تدخل المشرع بمقتضى الظهير الشريف المتعلق بالإجراءات الانتقالية الصادر في 28 شتنبر 1974 ليدخل تعديلات مهمة على ذلك القانون، وكرس في فصله الأول قناعته بتغيير قانون 1959 معتبرا ما تضمنه قانون الإجراءات الانتقالية مجرد تغييرات مرحلية يعمل بها إلى حين دخول «القانون الجديد للمسطرة الجنائية في حيز التطبيق».
وقد كشفت الممارسة اليومية عن وجود عدة ثغرات ومشاكل مرتبطة بالنصوص القانونية أو بالواقع الاجتماعي ينبغي التصدي لها وتقديم حلول وأجوبة لما تطرحه من إشكاليات. كما أن مصادقة المملكة المغربية على جملة من المواثيق والاتفاقيات الدولية أصبحت تفرض تدخل المشرع من أجل ملاءمة قانونه مع التوجه العالمي. يضاف إلى ذلك الطفرة الكبرى التي عرفها مجال حقوق الإنسان ببلادنا، والحرص على صيانة هذه الحقوق وصيانة الحريات الفردية والجماعية وبناء دولة الحق والقانون.
وبعد ذلك تستطرد الديباجة في تعداد الأسباب الأخرى التي جعلت المشرع المغربي يسن قانونا جديدا للمسطرة الجنائية وهي أسباب لا تخرج عن نطاق ما ورد بالديباجة أعلاه لتخلص في الأخير إلى أن هاجس توفير المحاكمة العادلة وفقا للنمط المتعارف عليه عالميا.
ولاشك أن القارئ لديباجة قانون المسطرة الجنائية لا يمكنه بعد الانتهاء من قراءتها إلا أن يرد مع المغنية المصرية «كلام كميل.. كلام معقول ما اقدرش أأول عنو حاجة…».
لكن، يتعين علينا كممارسين للمسطرة الجنائية أن نتساءل إن كنا لمسنا أشياء جديدة على أرض الواقع أم أن دار لقمان لازالت على حالها.
وسوف أتحدث في هذه الورقة عن محاضر الضابطة القضائية وقيمتها الثبوتية في الميدان الزجري.
وبرجوعنا مرة أخرى إلى ديباجة قانون المسطرة الجنائية وبعد حديثها عن قرينة البراءة وما أدراك ما قرينة البراءة؟ أشارت إلى الدور الفعال للقضاء في مراقبة وتقييم وسائل الإثبات فأشارت إلى حرص القانون الجديد (أي قانون المسطرة الجنائية) على إبراز دور القاضي قي مراقبة وسائل الإثبات وتقدير قيمتها مضيفا إلى «وفي هذا الصدد أصبح القاضي ملزما بتضمين ما يبرر اقتناعه ضمن حيثيات الحكم الذي يصدره».
إن المتتبع للشأن القضائي في المغرب وخاصة على مستوى محاكم الموضوع يلاحظ وبكل أسف أن لا شيء تغير على أرض الواقع في الميدان الزجري. إذ أن القضاء لازال يعتبر محاضر الضابطة القضائية محررات رسمية تتمتع بالقوة الثبوتية رغم انعدام حالة التلبس، وبالتالي فهي منزهة عن أي مناقشة ولا يمكن للباطل أن يأتيها من أي جانب.
لماذا كان المشرع المغربي قد نص ولأول مرة على مبدأ قرينة البراءة في المادة الأولى من قانون المسطرة. وهذا أمر بالغ الأهمية. وإذا كان المجلس الدستوري قد جعل من مبدأ قرينة البراءة مبدأ ذا قيمة دستورية (المجلس الدستوري قرار رقم 2009/780 صادر بتاريخ 18 يوليوز 2009 الجريدة الرسمية عدد 5760) فإن القضاء المغربي وفي الميدان الزجري، وعلى خلاف ما ورد بديباجة قانون المسطرة الجنائية حول دور القضاء في تقييم ومراقبة وسائل الاثبات، فإنه (أي القضاء الزجري) لازال يعتمد في تعليل أحكامه على ما ورد بمحضر الضابطة القضائية، ويكتفي في حيثياته بعبارة: وحيث أن الظنين قد اعترف في محضر الضابطة القضائية بما نسب إليه.
وحيث أن إنكار الظنين أمام المحكمة ما هو إلا وسيلة للتملص من المسؤولية الجنائية.
وحيث أن محاضر الضابطة القضائية يوثق بمضمونها، فإن المحكمة قد اقتنعت بثبوت الأفعال المنسوبة إلى الظنين أو الأظناء وتقرر معاقبتهم من أجل كذا وكذا..
إلا أن المادة 290 من قانون المسطرة الجنائية تجيز إثبات عكس ما ورد بهذه المحاضر بأي وسيلة من وسائل الإثبات، وذلك على عكس القانون القديم للمسطرة الجنائية الذي كان يعطي لمحاضر الضابطة القضائية القوة الثبوتية ولا يمكن الطعن فيها إلا بالزور. بمعنى أن المحكمة الزجرية ملزمة وفي نطاق المادتين 287 و290 بتمكين الظنين أو المشتكى به من إقامة أو إثبات ما يخالف ما ورد بمحضر البحث التمهيدي، وهذا شيء غائب مع كامل الأسف في العمل القضائي الزجري.
إن تقدم الشعوب أصبح اليوم يقاس بعدة مؤشرات سواء أكانت سياسية أو اقتصادية، أو اجتماعية. ولعل السياسة الجنائية ومدى احترامها لكرامة وحقوق الإنسان وبناء دولة الحق والقانون تعتبر هي الأخرى وبدون أدنى شك مؤشرا هاما على تطور المجتمع ورقيه وسعيه إلى الالتحاق بالمجتمعات الديمقراطية.
إن الجمعيات الحقوقية المغربية، وعلى رأسها جمعية هيآت المحامين بالمغرب ما فتئت تنادي وتطالب منذ تأسيسها خلال ستينات القرن الماضي وإلى آخر مؤتمر لها عقد بمدينة طنجة خلال شهر ماي من سنة 2007 ΅ بضرورة حضور المحامي مع المشتبه فيه أمام الضابطة القضائية قبل استجوابه وتدوين تصريحاته بالمحضر، فحضور المحامي أثناء استجواب المشتبه فيه، سيعطي للمحضر نوعا من المصداقية أمام الجهات القضائية.
وفي الحقيقة، فإنني لم أفهم ولحد الآن لماذا لم تستجب الجهات المعنية لهذا المطلب الحقوقي؟

إبراهيم حصالة: محام  بهيأة بني ملال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق