fbpx
حوادث

مزايا التكوين المستمر للقضاة

يجب أن يراعي التحديات التي تخوضها مؤسسات الدولة عامة بعدما تنامى بشكل غير مسبوق مجال التعاملات الإلكترونية

بقلم: لبنى الفريالي*

يعتبر التكوين المواكب للمسيرة المهنية للقضاة لبنة أساسية في تجويد الممارسة القضائية والرقي بها بما يتلاءم ومتطلبات العدالة، وهو قناة رئيسية لتركيز المعارف العلمية والعملية والسلوكية، وهذا النوع من التكوين يختلف في سياقه ومضمونه عن التكوين الأساسي الذي يتلقاه الملحق القضائي في المعهد العالي للقضاء فهو يرمي
إلى تحقيق مواكبة متناسبة مع تطور بنيات العمل والمستجدات القانونية بخلاف التكوين الأساسي الذي يكون بغرض اكتشاف وضبط الأدوات المعرفية
التي يستعملها القاضي الممارس عادة في عمله القضائي والتمرن على حسن استعمالها في أفق تطوير وصقل القدرات الذاتية
عن طريق الممارسة الفعلية بالمحاكم بعد اجتياز اختبار نهاية التمرين.

التكوين المستمر بهذه الصيغة يجب أن توضع له أهداف عامة تتلاءم والحاجيات الموضوعية المرتبطة بمرفق العدالة ككل كعدد الملفات الرائجة أمام المحاكم ونوعيتها ومعدل الأحكام الصادرة بخصوصها ونسبة البات منها والآخر التمهيدي والأحكام بعدم الاختصاص وعلاقة أعضاء السلطة القضائية بباقي مكونات العدالة من خبراء وموثقين وعدول ومحامين والعلاقة مع جهاز كتابة الضبط، وأخرى خاصة ترتبط بشخص القاضي حسب المهام المسندة له سواء بمقتضى قرار الجمعية العامة أو بموجب قرار للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أو الرئيس المنتدب كمهام النيابة على الرئيس والوكيل ومهام المسؤولية القضائية ثم مهام قضاء التحقيق والأحداث والتوثيق…الخ.
ولعل تحقيق هذه الأهداف يقتضي إشراكا فعليا لأطراف التكوين عن طريق فتح المجال للقضاة المعنيين بالبرنامج، عبر السماح لهم بالتفاوض بخصوص وضع الأولويات والإسهام في المخططات، لأن ذلك سيسمح لمؤسسة التكوين من جهة بقياس معدل درجة الوعي بالحاجة إلى التكوين ورصد الانتظارات، ومن جهة أخرى سيحفز القاضي المكوّن الذي ترسخت في ذهنه تصورات قبلية حول موضوع التكوين المستمر بأن يفكر بطريقة مختلفة ولو بشكل تدريجي،ثم عن طريق الانفتاح على التجارب الشخصية التي راكمها القضاة خلال فترة عملهم بالمحاكم وهي تقنية ناجحة في الإشراك الفعلي والمساهمة البناءة وتسمح للمؤسسة المشرفة على التكوين بالاطلاع عن قرب على واقع العمل القضائي وإكراهاته ومن ثم تقوية الثقة لدى المكّون في برنامج التكوين وحثه على تحقيق عطاء أحسن وتقديم الاقتراحات والإسهام الإيجابي.
ولتقنيات التكوين دور جوهري في تحقيق الأهداف فهي الأدوات المرئية التي تظهر للمكوّن منذالوهلة الأولى وتعطيه ارتساما عاما حول الدورة التكوينية ومعدل نجاحها، لذلك يتعين تطوير أدوات التكوين بشكل يسمح بتشجيع المكوّن على المبادرة بعد شعوره بأنه مصدر اهتمام وأنه جزء لا يتجزأ من منظومة التكوين وان اقتراحاته وملاحظاته تؤخذ بعين الاعتبار، كما يتعين استعمال تقنيات مختلفة حتى لا يعم الملل والإحباط ويستحسن أن تكون البرامج التكوينية مقتضبة زمنيا وأن تعد بشكل محترف يضمن الجودة و تحقيق الهدف البيداغوجي .
ونظرية الإشراك في التكوين يتعين أن تنطبق على كل مراحل التكوين القبلية والبعدية، لأنه لا يكفي إسهام المكوّن في إعداد الدورة وحضورها وإنما يجب أن يشبع التكوين حاجياته الحقيقية وأن تظهر معالم تجويد العمل وتطويره بعد إنهاء العملية التكوينية وعودة القاضي لعمله بالمحكمة، وهنا يتعين إشراك المكوّن من جديد عن طريق فتح المجال له لتقييم نجاعة الدورة التي حضرها وإسهامها فعليا في تحقيق الهدف منها بعد أن قام بتنزيل خلاصاتها في عمله القضائي .
ولعل استعمال تقنيات التواصل عن بعد كفيل بتحقيق كل هذه الغايات وبالتالي إعداد برامج تكوين مستمر يتوفر على كل المقومات اللازمة والمطلوبة.
والعملية التكوينية لا بد لها من أطر واعية بكل هذه الإكراهات وتتمتع بقدرات عملية وعلمية جيدة وتمتلك أدوات للتواصل الجيد، هذه الفئة النابضة تحتاج بدورها لتكوين خاص يسمح لها بتطوير قدراتها وإرساء التكوين ودمجه في قلب الممارسة القضائية،فلا يمكن إنجاح عملية التكوين إلا إذا ابتعد المكون عن أساليب التلقين الكلاسيكية واستعمل أدوات بيداغوجية حديثة ومواكبة أثبتت فعاليتها عبر التجارب المقارنة فمثلا يتعين الابتعاد كليا عن أسلوب الإلقاء بطريقة الجلوس على طاولة أو منصة أو مكتب يشكل حاجزا ماديا ونفسيا بينه وبين المكوّنين، حيث يشعر الحضور بالضجر بمجرد انصرام العشر دقائق الأولى وتتسرب قناعة خاطئة بأن الحوار التلقائي والحر غير مرغوب ويتسرب لذهن المكوّن أنه مكلف بالاستماع فقط مما يعطل قدرات المكوَن على العصف الذهني ومن ثم التفاعل إيجابيا في الدورة التكوينية،و يتعين بالمقابل استعمال آليات التحليل الذاتي والجماعي عن طريق تغيير المكون لوضعية الجلوس والتنقل عبر القاعة المعدة للتكوين، حتى يشعر الحضور بالارتياح وبالحرية في النقد وإبداء الملاحظات واستنتاج الخلاصات ويتعين عليه أن يضع المكوّنين في موقف التجربة واختبار القدرات حتى يتحمس كل واحد منهم للحضور والمساهمة الجيدة، كمايتعين على المكون أن يبتعد مطلقا عن أسلوب التوجيه المباشر، لأن ذلك سيفرغ العملية التكوينية من محتواها كليا، كما أنه ملزم بالتحلي بالكثير من التبصر لأن تنفيذ العملية التكوينية بنجاح يتطلب التوفر على مهارات خاصة، كدقة الملاحظة والقدرة على استيعاب الحاجيات .
ويجب ألا ننسى بأن التكوين مرصود لفئة تنفرد بالكثير من الخصوصية بالنظر للدور الذي تقوم به، لذلك لا بد من أن يكون مشتلاً لتزكية روح الفريق عبر العمل وفق خطة منسجمة وموحدة و أن يَعمل بشكل غير مباشر على تعزيز قيم التعاون وتبادل الخبرات وإرساء الأخلاقيات القضائية.
لا يمكن لأحد أن يجادل بأن التكوين المستمر هو حافز للبناء وتجويد العمل، كما انه يعتبر في منظور القاضي واجبا أخلاقيا قبل أن يكون واجبا قانونيا، لأجل ذلك لم يعد ممكنا غض الطرف عنه لأنه يشكل رحى التنمية الذاتية للقاضي ووسيلة لا غنى غنها للرقي بعمل السلطة القضائية، لذلك يكون الجميع مساءلين عن نجاحه وإخفاقه، ولا يكفي الوقوف على مكامن الخلل في المنظومة التكوينية وإنما يتعين على كل منا ومن خلال موقعه الإسهام في البناء ووضع لبنات النجاح لأننا فريق واحد.
والتكوين المستمر يجب أن يراعي التحديات التي تخوضها مؤسسات الدولة عامة بعدما تنامى بشكل غير مسبوق مجال التعاملات الإلكترونية، وأصبح تنزيل المحكمة الرقمية قرارا حتميا وليس مجرد اختيار للترف، وأصبح لزاما كذلك أن يخوض القضاة تجربة التعرف والتمرن على آليات التقاضي الإلكتروني، بدلا من التقاضي الورقي في أفق مواكبة تحدي المحكمة الرقمية .
* أستاذة بالمعهد العالي للقضاء
نائبة رئيس المكتب الجهوي لنادي قضاة المغرب بمكناس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى