fbpx
ملف الصباح

البطالة والغلاء وقود الحراك

تدهور مستوى المعيشة وغياب فرص الشغل وانسداد الأفق تخرج السكان للاحتجاج

لم تفلح الزيارة التي قام بها سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، السبت الماضي، إلى جرادة في تلطيف الأجواء، إذ في اليوم الموالي نظم سكان المدينة تظاهرة سلمية يطالبون فيها بضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة تمكن من التخفيف من الأوضاع الاجتماعية الصعبة التي يعانيها أغلب قاطني هذه المنطقة. وعرفت مناطق أخرى احتجاجات مشابهة تلتقي كلها في مطالب ذات بعد اجتماعي وتخلو المسيرات الاحتجاجية من أي شعارات سياسية، إذ أن المطلب الرئيسي يظل تحسين ظروف عيش السكان. وشهد المغرب، خلال عشر سنوات الأخيرة، العديد من الاحتجاجات في عدد من المدن والمناطق، بسبب الخصاص في بعض الخدمات أو ارتفاع أسعار بعض المواد أو تكون هناك أحداث تؤجج الشارع لتتحول إلى مطالب اجتماعية.
وتمثل الزيادة في الأسعار وارتفاع كلفة المعيشة أهم الأسباب التي تخرج المواطنين إلى الشارع، كما حدث في شتنبر 2007، عندما انتفض السكان بصفرو إثر الزيادة الملحوظة في أسعار عدد من المواد الأساسية، ما دفع شكيب بنموسى، وزير الداخلية آنذاك، إلى الاجتماع بالمسؤولين المحليين وممثلي السكان لتهدئة الأوضاع. وتحرك الشارع ما بين 2005 و 2009 بسيدي إفني وبوعرفة للأسباب ذاتها، كما عرفت تازة، خلال 2012، انتفاضة ضد تردي الأوضاع الاجتماعية. وانطلقت شرارة الاحتجاجات بالحسيمة في أكتوبر 2016، إثر حادث دهس محسن فكري داخل شاحنة النفايات خلال محاولته منع إتلاف شحنته من السمك، ما تسبب في انتفاضة السكان ضد التهميش الذي تعرفه هذه المنطقة وتعثر المشاريع التنموية التي وعد بها السكان، وأدت ارتدادات هذه الاحتجاجات إلى زلزال سياسي عصف بوزراء وعدد من المسؤولين المركزيين، بعدما أبانت التحريات قصورهم في إنجاز المشاريع التي كانوا يشرفون عليها. وانطلقت، أخيرا، شرارة احتجاجات جرادة بعدما لقي شخصان حتفهما تحت الخنادق التي كانا يجلبان منها الفحم الحجري، وما تزال الاحتجاجات متواصلة حتى الآن، رغم زيارة رئيس الحكومة ووفد وزاري للمنطقة.
ويلاحظ أن الاحتجاجات التي تعرفها عدد من المناطق تكتسي طابعا سلميا وتقتصر مطالبها على تحسين ظروف عيش السكان وإيجاد مناصب الشغل للعاطلين. كما أنها تهم مدن صغيرة ومناطق قروية منسية تفتقر إلى الحد الأدنى من الشروط الضرورية لضمان عيش كريم.
تتلخص مطالب المحتجين في مطلبين أساسيين يتمثلان في التشغيل وتوفير المواد والخدمات الأساسية بأسعار مقبولة. ويعتبر هذان المطلبان وقود كل الاحتجاجات التي تعرفها المناطق، إذ لا يطالب المحتجون بتغيير الحكومة أو إعادة النظر في النظام السياسي، بل تقتصر مطالبهم على الحد من موجة الغلاء التي تهم عددا من المواد والخدمات وتوفير الشغل للعاطلين.
وساهمت بعض الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السابقة في ارتفاع عدد من الخدمات، إذ كان لرفع الدعم عن المحروقات، في غياب إجراءات مواكبة لتفادي انعكاس تقلبات أسعار المواد الطاقية في الأسواق الطاقية أثر على كلفة النقل التي تنعكس بدورها على أسعار جل الخدمات والمواد الأخرى.
وإذا كان إلغاء الدعم قد ساهم بشكل كبير في تخفيف الضغط عن ميزانية الدولة وتوفير ملايير الدراهم للخزينة، فإنه أدى، بالمقابل، إلى تفاقم وتدهور أوضاع فئة كبيرة من الأسر المغربية، كما توضح ذلك كل الأبحاث الفصلية التي تنجزها المندوبية السامية للتخطيط حول وضعية الأسر، إذ أكد البحث الأخير أن 43.1 % من الأسر، التي شملها البحث أكدت أن مستوى عيشها عرف تدهورا، وصرحت نسبة 33 % من الأسر أنها تلجأ إلى الاقتراض من أجل تغطية تكاليف المعيشة، واعترفت نسبة 35.7 % منها بتدهور وضعيتها المالية. وأكدت جل الأسر ارتفاعا في أسعار المواد الغذائية خلال السنة الماضية.
بالموازاة مع ذلك عرفت البطالة تفاقما، خلال السنة الماضية، إذ انتقل معدل البطالة من 9.9 %، خلال 2016، إلى 10.2 % في السنة الموالية، وتهم البطالة بشكل خاص الشباب، الذين يعاني 18 % منهم البطالة، في حين يقفز إلى ما فوق 20 % بالنسبة إلى حملة الشهادات الجامعية. وفشلت الحكومات المتعاقبة في إيجاد السياسات الكفيلة بالحد من تفاقم البطالة، إذ رغم الإستراتيجيات القطاعية وبرامج التشغيل الذاتي، فإن معدل البطالة يواصل ارتفاعه، ما يدفع بالعديد من الباحثين على الشغل إلى الاحتجاج من أجل المطالبة بتوفير مناصب شغل لهم.
وهكذا يتضح أن البطالة وارتفاع كلفة المعيشة يعتبران من الأسباب الرئيسية التي تؤجج الحراك الاجتماعي.
عبد الواحد كنفاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى