fbpx
ملف الصباح

بدون خلفية ثقافية

في إحدى خرجاته الإعلامية النادرة انتقد المفكر المغربي عبد الله العروي بطريقة غير مباشرة “حركة 20 فبراير” الشبابية. معتبرا إياها حركة أخطأت موعدها مع التاريخ.
وقال صاحب “العرب والفكر التاريخي” إن المؤرخين في المستقبل سيتوقفون كثيراً عند نص الدستور الجديد للمغرب (2011) الذي حررته لجنة تابعة للقصر، وجاء استجابة لضغط الشارع. واستشهد المؤرخ بالثورة الفرنسية، وكيف أنّ المؤرخين يتوقفون عند المجلس التأسيسي الذي ترك مئات الأطنان من الوثائق التي يعود إليها الدارسون، “بينما صوت الجماهير ذرته رياح التاريخ”. وأكّد العروي أنّ الحركات الحالية “ردة فعل على مواعد ضائعة، وخصوصاً الموعد مع الدمقرطة الذي هو موعد تاريخي ملحّ”. مؤكدا أن الملكية هي صمام الأمان للمجتمع المغربي. أو بتعبير أدق فإن حراك 20 فبراير بالنسبة إليه ليس إلا الظاهرة المرئية لتغيير لا يمكن أن يأتي إلا من الفوق.
ويرى العروي أن “الملكية الدستورية يجب عليها حماية المجتمع من القوى التقليدية والمحافظة”. وعما إذا كانت الملكية قاطرة التغيير، لم يتردد صاحب “أزمة المثقفين العرب” في الموافقة على ذلك، معتبراً أنّ خطابات الملك “لا يفهمها فقط المواطن العادي، بل حتى قطاع كبير من النخب”! وخلص إلى أنّ “الملكية تلعب دوراً ضامناً للاستقرار، وخصوصا أنّها تضمن الفصل بين الديني والسياسي”.
وكانت إحدى الوقائع التي عرتها رياح الربيع العربي”، هي موت المثقف العربي، بعد تبين أن الكثير من المثقفين اختاروا الانزواء في قبو انشغالاتهم الشخصية، بعيدًا عن هموم الشعوب، فيما قرَّر آخرون الاصطفاف في خندق السلطة، إما لعجزهم عن فرض مكانتهم في التأثير على الجموع، أو بسبب ما اعتبروه “مدًا إسلاميًا” يجتاح وعي شعوب المنطقة.
ففي الوقت الذي كانت الشعوب تحتاج فيه إلى “مثقفين” ينيرون طريقها وسط الظلام، ويبدعون الحلول والبدائل، تركوا الجموع المحتجة تنزلق نحو مستنقع الفوضى وتواجه مصيرها الحتمي أمام الآلة الأمنية.
ولم يكن “المثقف المغربي” استثناء في هذا الشأن، إذ سجَّل حضورًا محتشمًا خلال حراك 20 فبراير ، أما في حراك الحكرة، الذي أشعلته واقعة “بائع السمك”، فلم يُسمع للمثقفين في البلد صوت، في الحين الذي يُنْتَظر منهم تنوير الرأي العام بأفكارهم ورؤاهم للوضع الراهن.
وظل معظم المثقفين في أبراجهم العاجية، فيما قرّر الشباب الخروج من عتمة العوالم الافتراضية إلى الميدان ليعبروا عن آمالهم وآلامهم وأحلامهم بوطن جديد حيث الديموقراطية والعدالة والكرامة. مع استثناءات قليلة، عجز المثقفون والكتّاب المغاربة عن التفاعل مع حراك الشارع مفضّلين موقف المتفرج باستثناء فناني الراب.
والنتيجة أن الحراك الشبابي في المغرب رغم تسريعه وتيرة التغيير في مدة وجيزة، إلا أنه ظل مفتقدا للعمق والخلفية الثقافية التي من شأنها أن تحصنه وتحول دون انزلاقه وتوجهه في الاتجاه الذي يضمن تحقيق المطالب العادلة لأي حراك نابع من الإرادة الشعبية.
عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى