fbpx
افتتاحية

مهزلة

لا نبالغ في وصف واقع الصحة بالمغرب بالأزمة الحادة، وربما الأسوأ منذ الاستقلال، فجميع المؤشرات تؤكد غياب رؤية شاملة للإصلاح أمام تحكم “لوبيات” في القطاع، والتملص من المسؤولية التي يؤدي البسطاء ثمنها غاليا باعتراف المسؤولين الحكوميين أنفسهم.
لا يحتاج القطاع الصحي إلى “أدوية” للتخفيف من أزمته، فقد أصبح “مرضا مزمنا” علاجه في عمليات جراحية مستعجلة، حتى تستعيد الصحة في المغرب “رشدها”، بعد سنين من الاستهتار والتسيب واللامبالاة والمزايدات السياسية، ويكفي أن نور الدين بوطيب، كاتب الدولة في الداخلية، امتلك الجرأة تحت قبة البرلمان، حين أعلن أن أحد الأسباب الرئيسية في الاحتجاجات الأخيرة بمناطق متعددة سببها قطاع صحي “مريض”، ويؤدي إلى إحساس بـ “الحكرة”، رغم الميزانية الضخمة التي تخصصها الحكومة.
مشاهد كثيرة ومعاناة يومية بالمستشفيات العمومية والمراكز الصحية، لا نستطيع تخيل وطأتها على المرضى وأسرهم، منها ما رواه برلماني عن الأصالة والمعاصرة، حين تحدث عن وفاة رضيع ببني ملال عجز والده عن أداء مصاريف بنزين سيارة الإسعاف لنقله إلى البيضاء لتلقي العلاج… أي بشاعة وظلم أكثر من وفاة رضيع، حياته أرخص بكثير من ثمن بنزين سيارة الإسعاف؟
لقد اكتفت كل الحكومات المتعاقبة بتشخيص “ورم” القطاع الصحي، دون علاجه، لكن الأكيد أن الأزمة تتفاقم، وتعمق الفجوة بين الفئات في ولوج الخدمة الصحية، ناهيك عن النقص الحاد في التجهيزات الطبية والأدوية الخاصة بالأمراض المزمنة، والخصاص الكبير في الأطباء والممرضين، وسوء توزيعها الجغرافي وتدني الحوافز المالية، وضعف التكوين والتكوين المستمر، والخطير في الأمر أن الحكومة تستسلم أمام فئة من الأطباء تُفكر في الربح، ولو أدى ذلك إلى التخلص من قسم أبي قراط في أول سلة للمهملات تصادف طريقها المهنية.
لا معنى، إطلاقا، أن يرفض الأطباء العمل في المناطق النائية، علما أن الدولة تصرف على كل طبيب يتخرج بعد سنوات من الدراسة مليون درهم، بالمقابل يتهافتون على القطاع الخاص، نظرا لعائداته المالية، ولا أخلاق مهنية تبرر رفضهم العمل في مستوصفات المقاطعات الجماعية… إنها المهزلة التي تنتعش في غياب حس المواطنة وقيم المهنة النبيلة.
الحكومة عاجزة، إلى حد الآن، عن العثور على نقطة ضوء في نفق “الصحة” المظلم، بدليل عجزها عن إخراج القطاع من أزماته المتعددة، التي تتمثل في تدني الخدمات الصحية، وارتفاع معدلات الوفيات بسبب الإهمال، والخصاص في التجهيزات والأدوية والعجز المهول في عدد الممرضين والأطباء.
إن حلم “الحق في التطبيب” أولوية تستدعي توفير الإمكانيات، والأهم وقف النزيف، ومواجهة طيش المتلاعبين بصحة المواطنين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى