fbpx
دوليات

الإسلاميون وتحديات ما بعد الانتصار

دخول السلفيين على الخط الانتخابي  حرم الإخوان من نسبة كبيرة من الأصوات

مع دوران عجلة الانتخابات البرلمانية في العديد من الدول العربية في ظلال الربيع الثائر تلج المنطقة العربية عهدا جديدا من الحرية والديمقراطية والانفتاح، يؤذن بتغيرات دراماتيكية في خارطة العمل السياسي والحزبي العربي خلال المرحلة المقبلة.
لم يشكل فوز الإسلاميين، عموما، والإخوان المسلمين خصوصا، مفاجأة لدى المراقب العليم بتضاريس الساحة الحزبية العربية، فقد كانوا في مقدمة القوى الحية الفاعلة التي تجرعت بطش الأنظمة وذاقت ويلات إجراءاتها ومخططاتها طيلة العقود الماضية، وحرموا كما غيرهم من حق العمل الحزبي والمشاركة السياسية تحت سيف الإقصاء والاستئصال الذي حاول منعهم من التعبير عن إرادة الجماهير وتجسيد برامجهم السياسية على امتداد الساحة السياسية العربية.
اليوم، يدخل الإسلاميون التاريخ العربي الحرّ من أوسع أبوابه، ويبدأ رصيد تجربتهم الفتيّة في العدّ التصاعدي تحت طائلة الاختبار الشعبي، ولن يشفع لهم ثقل وعظم التحديات التي يواجهونها في مرحلة ما بعد التصدّر والفوز بثقة الشعوب.
وبات لزاما على الإسلاميين إدراك حساسية اللحظة التاريخية التي حملتهم إلى سدة الحكم ومواقع المسؤولية في بعض البلدان العربية، والتنبه لأهم التحديات الداخلية والخارجية التي تتربص بتجربتهم الغضّة دوائر الحصار والاستهداف.
في السياسة والاقتصاد يواجه الإسلاميون العديد من التحديات في الإطارين: السياسي والاقتصادي، ولا مفر من الاعتراف أن هذه التحديات تبدو صعبة وشائكة ومعقدة وتواجه إرثا ثقيلا من مخلفات الأنظمة المنصرفة التي عالجت الملفات والقضايا المختلفة بمنطق المزاجية المفرطة والسطحية التامة.
التحدي الأول يكمن في مدى قدرة الإسلاميين على لمّ شعث الفرقاء تحت مظلة جامعة، وتخليق حالة من الالتقاء السياسي المصلحي على الحدود الدنيا على الأقل في إطار العمل الوطني المشترك.
لا يمكن الحديث عن وصف موحد لمشهد العلاقة بين الإسلاميين وخصومهم الفكريين والسياسيين في بعض الساحات العربية، فما جرى في تونس من سلاسة وانسيابية في ترتيب الأوراق الداخلية بين الإسلاميين والقوى القومية واليسارية والعلمانية، وما يُتوقع بشكل مشابه أيضا في المغرب، قد لا ينطبق بالكيفية ذاتها على المشهد المصري الذي يختزن في طياته استقطابات هائلة لم تفرغ المعارك الانتخابية الأخيرة إلا جزءا محدودا منها.
ومع ذلك، فإن المهمة الأولى للإسلاميين، خصوصا في مصر، لا تعدو التوجه نحو الداخل الوطني عبر خطاب واضح يحمل رسائل هادئة لطمأنة القوى السياسية المختلفة، والتخفيف من حدّة الصراع السياسي والفكري معها، توطئة لإرساء قواعد عمل مشتركة تقود نحو نسج ائتلافات معها في إطار قيم الشراكة تحت مظلة المؤسسات الرسمية الحاكمة مع بعضها، ونزع الفتيل وتهدئة الأجواء مع بعضها الآخر.
أما التحدي الثاني فيكمن في ضبط إيقاع الحياة السياسية والبرلمانية العربية بشكل يحفظ مكتسبات الثورة، ويضمن الاستقرار الداخلي، ويتيح تعاون وتكامل كافة أركان النظام السياسي.
وفي الحالة المصرية فإن الحرص على بقاء خطوط تواصل جيدة مع المجلس العسكري الحاكم يشكل أمرا ملحا، وصولا إلى إجراء الانتخابات الرئاسية واكتمال صياغة النظام السياسي المصري في هيأته الجديدة التي يعوّل عليها جميع المصريين بلا استثناء.
من المهم أن يسير الإسلاميون، وفي مقدمتهم إخوان مصر، بتؤدة بالغة في مرحلة ما بعد الانتصار، فالتحديات تترامى أمامهم بشكل مهول، ولا مفر من أداء سياسي راشد في مختلف المجالات، وعلاقات متوازنة مع القوى المؤثرة والمراكز المسيطرة كي تبحر سفينتهم بأدنى قدر من العوائق، وكي يتجاوزوا -كما في الحالة المصرية- عنق الزجاجة التي دلفت إليها مصر بفعل عهود الانحطاط السياسي والاجتماعي والثقافي التي كرسها نظام مبارك البائد.
ويبدو التحدي الثالث بالغ الأهمية، فالبرنامج السياسي والاقتصادي العام ذو النصوص المجملة والفضفاضة الذي يرفعه الإسلاميون يجب أن يتنزل على أرض الواقع على هيأة تفصيلية برنامجية واضحة، وأن يخرج عن إطار العموميات التي اشتهرت بها برامج الإسلاميين. فلا يكفي وضع الخطوط العريضة والشعارات العامة والمبادئ الإجمالية كأرضية لحكم الدولة، ولا يكفي التسلح بالصدق والإخلاص والعمل الدؤوب لمواجهة تعقيدات ومشكلات السياسة والاقتصاد.
هناك فرق بين البرامج الفضفاضة الحافلة بالنصوص العامة التي قد تصلح في مقاعد المعارضة البعيدة عن تحمل مسؤوليات الحكم والإدارة، وبين البرامج التفصيلية القادرة على رسم الأجوبة الدقيقة للقضايا الداخلية المختلفة، والاستجابة للتحديات المتعاظمة التي تفرضها الظروف الملبّدة إقليميا ودوليا.
ومن هنا فإن الإعداد الوافي لمرحلة ما بعد الفوز في الانتخابات، وتنزيل الشعارات والمبادئ إلى تجسيدات فعلية ملموسة على أرض الواقع عبر برنامج واقعي تفصيلي، من شأنه أن يدشّن عهدا جديدا يُحسب للإسلاميين ويلقي بظلاله الخيّرة على ربوع الأمة من مشرقها إلى مغربها. فيما يبدو تحدي التعامل مع الواقع الإقليمي والدولي المعقد أساسيا، فالإسلاميون مضطرون للسير في حقول ألغام مترامية على امتداد محاور السياسة الإقليمية والدولية، إذ أن العمل السياسي من مربع الحكم المباشر ليس كممارسته من مربع المعارضة المجردة، وها هنا فإن الإسلاميين مقبلون على تجربة شائكة في مضمار العلاقة مع المحيط الإقليمي والدولي، خصوصا في ظل حساسية بعض الملفات كملف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وملف الاتفاقيات والمعاهدات والعلاقات مع الدولة العبرية، وما يصاحب ذلك من حسابات وتعقيدات.
ومع ذلك، فإن الطاقات الواسعة والكوادر المؤهلة ذات الرؤية الواضحة التي يمتلكها الإسلاميون من شأنها أن تعينهم على اجتياز وعثاء المرحلة، وتكسب تجربتهم الجديدة العمق الكامل والنضج المطلوب.
أما التحدي الأخير فيكتسب نكهة مصرية خالصة متمثلا في الحضور القوي للحزب السلفي الذي يخوض تجربة العمل السياسي للمرة الأولى دون أدنى فهم أو دراية.
ورغم أن دخول السلفيين على الخط الانتخابي قد شتت الصوت الإسلامي وحرم الإخوان من نسبة مقدّرة، فإن الإخوان يبقون القوة الإسلامية الحركية الأولى على المستوى العربي والدولي، وأصحاب المنهج والرسالة والخبرة والتجربة، والأقدر على حمل وتبني مشروع الحكم وبرنامج الوصول إلى السلطة بأثمانه وتكاليفه المعروفة والمضيّ به إلى النهاية.
لذا، فإن الإخوان يواجهون تحديا هاما في كيفية استيعاب الحزب السلفي وتطويعه لتقبل أصول وقواعد الممارسة السياسية التي لا تحدّها الحدود والمبادئ الأيديولوجية الجامدة، وهي مهمة -بالتأكيد- ليست سهلة على الإطلاق في ضوء الانتقال المفاجئ للحزب إلى آفاق العمل السياسي دون تهيئة مسبقة.

مؤمن بسيسو: كاتب فلسطيني (عن الجزيرة نت)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى