fbpx
مجتمع

ساحة الهديم بمكناس…معلمة ينهشها الإهمال

الساحة التاريخية غزاها العـشابة واحتلت أرضها المقاهي والمطاعم ومنتوجات الفخار

ساحة «الهديم» من أهم المواقع الأثرية التي تزخر بها العاصمة الإسماعيلية، إذ تعتبر رمزا للمدينة العتيقة وقلبها النابض بالحيوية والجاذبية، باعتبار موقعها الاستراتيجي الجيد بالقرب من معلمة «باب منصور العلج»، بل رمزا كذلك للكفاح الوطني، إذ ما زال الجميع يستحضر تاريخ 2 شتنبر من سنة 1937،عندما جسدت هذه الساحة التاريخية مسرحا لمعركة دامية بين أهل مكناس والمستعمر الفرنسي، الذي قام بتحويل جزء من مياه واد «بوفكران» نحو أراضي المعمرين والمرافق المدنية والعسكرية بالمدينة الجديدة (حمرية)، وهي المعركة التي تعرف محليا بـ» كيرة الما لحلو». كما مثلت هذه الساحة «الذاكرة» مسرحا للمناظرات السياسية والفكرية وحلقات للمسرح الشعبي، ما جعلها ترتب في عداد المباني التاريخية والمواقع الأثرية بولاية مكناس.

الهديم…اسم على مسمى
إذا كان أصل تسمية الساحة يرجع، حسب بعض المصادر التاريخية، إلى عملية الهدم التي عرفتها على عهد السلطان العلوي المولى إسماعيل، الذي أعدها لاستعراض جيوشه قبل الخروج في الحملات العسكرية، المنظمة ضد المعارضين أو ضد المحتلين الأجانب، فإن صفة الهدم تأبى إلا أن تظل ملتصقة بها، من خلال إخضاعها لـ”ألف تهيئة وتهيئة”، دون أن تستقر على حال يليق بتاريخها. إذ أريد لهذه الساحة أن تتحول على عهد المجالس البلدية المتعاقبة على تدبير شؤون المدينة إلى “فأر للتجارب”، بل إلى”بقرة حلوب” ومطية لتبذير المال العام وتبديده “على عينك يا بن عدي”، فمن ساحة عادية تحتضن “حلقيات” الفرجة وتقبع فوق ترابها مجموعة من”الكوتشيات”، إلى موقف تركن إليه السيارات والدراجات العادية والنارية، ثم محطة لحافلات النقل الحضري ولسيارات الأجرة بنوعيها الصغيرة والكبيرة، ومنها إلى حديقة كلفت عملية إحداثها ملايين السنتيمات، لتنتقل بقدرة قادر إلى فضاء للقبب القرميدية والنافورات المتعددة الأشكال والأحجام والأحواض المائية، ما جعلها وكرا مفضلا للحشرات ومرتعا خصبا للقمامات والأزبال التي طالما أزكمت روائحها أنوف المارة بمن فيهم السياح الأجانب.
ولأنها سميت بـ “الهديم”، كان طبيعيا أن تجدد معاول الهد والهدم صلتها بهذه الساحة، وتعمد إلى دك ما بني فوق ترابها دكا، لتذهب بذلك الميزانيات الضخمة المرصودة لمسلسل التهيئة أدراج الرياح، حتى إن نجحت الساحة في السنوات الأخيرة في استعادة جزء من حمولتها الثقافية كوعاء للتراث الشفهي، من خلال احتضانها لـ”حلقيات” صناع الفرجة والمرح والتسلية…

معلمة عريقة
إذا كانت هناك معلمة عريقة نالت حظا وافرا من التشويه والتهميش بالعاصمة الإسماعيلية فهي، بكل تأكيد، ساحة الهديم التاريخية، التي أضحت تعيش، وبشهادة الجميع، وضعا مترديا على أكثر من مستوى. وإذا كان هناك من هو جدير بأن يأخذ بيد هذه المعلمة الغارقة في بحار اللامبالاة والضياع والتسيب فهي الجهات المسؤولة، التي تمتلك مفاتيح إنقاذ هذه الساحة وإعادة الاعتبار التاريخي والحضاري إليها، لكن من سوء حظ “الهديم” أن اسمها ظل طاغيا عليها، وأن الذين بيدهم القرار أصيبوا بالذهول والغشاوة، ولبسوا ثوب المتفرج على الساحة وهي تندب حظها العاثر، وتلك هي الطامة الكبرى، فالأسوار المحيطة بهذه الساحة، التي تحولت إلى مراحيض في الهواء الطلق، في حاجة ماسة إلى إعادة ترميم يستجيب للشروط الضرورية والمعايير الخاصة بعملية ترميم المآثر التاريخية، والوصف ذاته ينطبق على حال الرواق الفني باب منصور، الذي أضحت جدرانه وأرضه في وضع لا يليق بفضاء يحتضن المعارض الفنية. لذا بات تدخل المعنيين أمرا ضروريا ومستعجلا لإسعاف هذه الساحة من موت سريري يلوح في الأفق، وإعطائها بالتالي ما تستحقه من عناية واهتمام كبيرين، حتى تتبوأ المكانة اللائقة بها كتوأم لنظيرتها بمراكش الحمراء، ساحة جامع الفنا، خصوصا أن الساحة الأولى بجهة مكناس/تافيلالت تتوفر على كل المواصفات والمقومات التي تؤهلها لأن تصبح الساحة التي لا تغيب عنها الشمس والأضواء.  

الساحة… المعشبة
وجوه باتت مألوفة عند مرتادي ساحة «الهديم»، سواء بغرض قضاء أوقات ممتعة في ضيافة رواد الحلقة، أو بهدف الركون إلى أحد المقاهي والمطاعم المحيطة بها، أو حتى من أجل العبور إلى شارع السكاكين التجاري، وجوه يشخصها العشرات من العشابة، الذين دخلوا على خط الأنشطة والمهن التي أضحت تغزو تراب الساحة، من خلال انتشار مجموعة من»عيادات» التداوي بالأعشاب، التي يزعم «أطباؤها»، وما أكثرهم في هذه الأيام، أن وصفاتهم المتنوعة قادرة على علاج كل الأمراض المزمنة، ولو تعلق الأمر بما استعصى على الطب الحديث كداء البرص والقصور الكلوي والسكري والتهاب الكبد الفيروسي والعقم عند الرجال والنساء… ما يفسر تنامي و اتساع رقعة هذه الظاهرة، وأيضا تزايد أعداد المواطنين الراغبين في التداوي بالأعشاب، بسبب رخص أثمنة «وصفاتها» إذا قورنت مع أسعار الأدوية الصيدلية، التي بات جلها فوق طاقة هذه الفئة، وبسبب جهل السواد الأعظم من الناس للعواقب الوخيمة لتناول هذه الأعشاب.
يحدث هذا أمام مرأى وعلى مسمع من الأجهزة المسؤولة عن حفظ صحة و سلامة المواطنين، في شخص الوزارة الوصية وجمعية حماية المستهلك، الغارقة مكوناتها في السبات، وفي غياب أي تقنين لهذه الحرفة من لدن الدولة.

احتلال غير مبرر
ليست وحدها “عيادات” التداوي بالأعشاب من تجرؤ على “استعمار” أرض الهديم، بل تتحالف معها في هذا الاحتلال غير المبرر المقاهي والمطاعم المحيطة بها، والتي تتنافس على نشر كراسيها وطاولاتها وموائدها ومظلاتها فوق تراب الساحة بشكل مثير للانتباه، مستغلة أضعاف مساحاتها بنسبة تفوق الألف في المائة، ما يطرح أكثر من علامتي استفهام وتعجب حول تمادي أصحاب هذه المحلات، الذين يعلون فوق القانون، في احتلال أرض هي في الأصل ملك للعموم. وفي هذا الصدد، تتساءل مصادر «الصباح» عن الجهات المستفيدة من وضعية «السيبة» التي تعرفها هذه الساحة، في ظل ضعف وفتور حملات تحرير الملك العمومي، التي تقودها  السلطات الإدارية والجماعية والأمنية في فترات نادرة ومتباعدة، درا للرماد في العيون، ليعود الوضع إلى حالة التسيب قبل أن يرتد إلى المرء طرفه.
وتتساءل المصادر ذاتها عن المعايير التي اعتمدتها المصالح المسؤولة في تمكين أصحاب محلات «ميكروسكوبية»، تابعة للملك البلدي، ولا تتعدى مساحة الواحدة منها ستة أمتار مربعة على أقصى تقدير، من تراخيص استغلال المقاهي والمطاعم داخل حوانيت كانت في الأصل «صالونات» معدة لحلاقة الرجال، علما أن الحصول على رخصة لمزاولة مثل هذه الأنشطة التجارية الحساسة يتطلب الاستجابة لمجموعة من الشروط، وضمنها ضرورة التوفر على المرافق الصحية، الشيء الذي يغيب عن «مقاهي» و»مطاعم» الساحة، التي يتهددها خطر انفجار «القنابل» الموقوتة (لا قدر الله)، التي تجسدها عشرات القنينات الغازية الكبيرة المستعملة لأغراض مختلفة، مع العلم أن جل هذه المحلات ملتصقة ببعضها.
الترامي المفرط على الملك العمومي بالساحة، لا يقتصر على العشابة والمقاهي والمطاعم فحسب، بل يتعداه إلى المحلات الخاصة بالاتجار في المنتوجات الفخارية، التي عمد أصحابها إلى عرض سلعهم وبضائعهم المتنوعة فوق مساحات شاسعة، محدثين بذلك سوقا عشوائيا مفتوحا.
وفي انتظار بزوغ فجر يوم تتحرر فيه أرض الهديم من محتليها شبرا شبرا، يبقى التسيب سيد الموقف في ساحة عالمية لم يكتب لها أن تنال حظها من العناية والاهتمام.      

خليل المنوني (مكناس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى