منبر

المغرب يعيش ثورة هادئة وتغييرا سلميا

المغرب يعيش ثورة هادئة وتغييرا سلميا
انتخابات 25 نونبر أفرزت تناوبا ديمقراطيا حقيقيا لا دخل فيه للدولة

انتخابات 25 نونبر أفرزت تناوبا ديمقراطيا حقيقيا لا دخل فيه للدولة

 

شهد المغرب يوم الجمعة 25 نونبر الجاري، إجراء أول انتخابات تشريعية سابقة لأوانها في ظل الدستور الجديد الذي صادق عليه الشعب المغربي في فاتح يوليوز 2011. 

وجرت هذه الانتخابات في مناخ ديمقراطي يتجاذبه تيار المشاركة في الانتخابات الذي يضم 31 حزبا، وتيار المقاطعة الذي ضم

 الحزب الاشتراكي الموحد، وحزب الطليعة، حزب النهج وجماعة العدل والإحسان وحركة 20 فبراير. كما عرف تنافسا شديدا بين الأحزاب والتكتلات من أجل الظفر بصدارة النتائج التي تؤهل الحزب الفائز بالرتبة الأولى لترؤس الحكومة المقبلة وفق ما ينص عليه الدستور. 

 

تعد هذه الانتخابات، من حيث نتائجها وظروف إجرائها، حدثا مفصليا في تاريخ المغرب الحديث، فقد وضعت المغرب على سكة التغيير الديمقراطي الذي يحترم إرادة الشعب ويضمن الالتزام باختياراته، ومن أهم ما حققته هذه الثورة الهادئة التي تكرس نموذجا مغربيا متميزا:     

ـ الانتخابات أفرزت تناوبا ديمقراطيا حقيقيا لا دخل فيه للدولة أو النظام . تناوب اختاره الشعب ولم يقرره الملك على النحو الذي حصل على عهد الملك الراحل الحسن الثاني لما قرر تنصيب حكومة التناوب التوافقي برئاسة الأستاذ عبد الرحمن اليوسفي، بعد أن تدخل القصر في توليف الأغلبية الداعمة للحكومة باعتراف من محمد الأبيض الأمين العام لحزب الاتحاد الدستوري (الصحراء المغربية 2/11/2011) بقوله (لقد كانت لدينا أغلبية، وطلب منا أن نقوم بتضحية. ما هي هذه التضحية؟ هي أن نترك سياسيين كانوا في المعارضة منذ أزيد من 40 سنة، يدخلون إلى الحكومة، ونساعدهم ونصوت معهم، إلى حين انتهاء الانتخابات، وهذا طلب من الملك الحسن الثاني رحمه الله، إذ كنا نصوت للحكومة كلما جاءت بقوانين، فكنا مساهمين في ذلك بثقة. هناك من يتكلم عن تضحيته وحده بصفته وطنيا، والاتحاد الدستوري بدوره قام بتضحية. 

عندما تشكلت حكومة التناوب سنة 1998 دعمناها حتى 2002.. تناوب يقوده حزب العدالة والتنمية ويشكل عموده الفقري بعد أن استبعد الأحزاب التي ظلت تُعرف بأنها “أحزاب إدارية”. إن تحالف حزب العدالة والتنمية مع أحزاب الكتلة الديمقراطية هو تحالف مع أحزاب قال عنها عبد الإله بنكيران، أمين عام العدالة والتنمية ــ  إنها خرجت من رحم الشعب. 

ـ القطع مع صناعة الخريطة السياسية والتحكم فيها . إذ ظلت الاتهامات توجه إلى الدولة /النظام بالتدخل المباشر في صنع الخريطة السياسية عبر التزوير وتفريخ الأحزاب وصناعة الأغلبية. ولعبت وزارة الداخلية على عهد البصري دورا مركزيا في صناعة المشهد السياسي وتشويهه رغم التعهدات الصريحة من الراحل الحسن الثاني بأنه سينزل بكل ثقله من أجل نزاهة الانتخابات. كانت للملك الراحل حساباته السياسية التي جعلته أكثر حذرا من المعارضة الديمقراطية لدرجة أنه شكل مجلس المستشارين ــ الغرفة الثانية للبرلمان التي لها نفس صلاحيات الغرفة الأولى للبرلمان بما فيها إسقاط الحكومة، ليكون سدا منيعا في وجه طموحات التغيير لدى المعارضة والتي قد تهدد سلطته. اليوم انتهى الصراع بين القصر والمعارضة، ولم يعد من داع للحذر أو الخوف؛ إذ تحقق للملك محمد السادس من الإجماع على شخصه وحكمه ما لم يتحقق لوالده، وهذا الإجماع والتوافق دعامتان أساسيتان لنهج التغيير الذي يخوضه المغرب بكل هدوء وتؤدة .   

ـ الانتقال من الحياد السلبي للإدارة إلى الحياد الإيجابي ولو في حدوده الدنيا (محاكمة مرشحين، إعفاء أعوان السلطة وعدد من المسؤولين من المهام في الدوائر التي يترشح فيها أقارب لهم). ومنذ الإعلان عن تاريخ إجراء الانتخابات، وخلال الحملة الانتخابية، ظل وزير الداخلية يشدد على الحياد الإيجابي للإدارة ومحاربة الفساد الانتخابي ضمانا للنزاهة والمصداقية. ورغم الانتقادات التي وجهها حزب العدالة والتنمية إلى وزارة الداخلية في موضوع القوانين الانتخابية وتقسيم الدوائر المحلية، وهي انتقادات كانت تضمر اتهاما للوزارة بكونها لم تقطع مع “عادتها القديمة” في صنع الخريطة السياسية؛ رغم الانتقادات حصل الحزب إياه على المرتبة الأولى بثلث المقاعد، ما يدل على جدية الدولة في إنجاح التغيير .    

ـ التأسيس لشرعية ديمقراطية نابعة من إرادة الناخبين، إذ أبانت نسبة المشاركة في التصويت، التي بلغت 45،4 في المائة، عن نضج سياسي لدى المواطنين. فهم، من جهة، لم يستجيبوا لدعوات المقاطعة رغم تعدد مصادرها، ومن جهة ثانية، تعاملوا بحس وطني مسؤول رغبة في تأمين الاستقرار وتجنيب المغرب مزالق الفتنة، وفي الوقت نفسه تحقيق التغيير الذي ينشده الشعب بالتصويت على الدستور ثم التصويت على حزب لم يسبق له أن شارك في تدبير الشأن العام، وكأن الشعب يقول التغيير يبدأ من قيادة الحكومة ويتحقق بها. إن هذه الانتخابات ستمنح للبرلمان شرعية ديمقراطية وتجعله نابعا فعلا من إرادة الشعب، وعليه ــ في المقابل ــ أن يظل معبرا عنها، وهي الخطوة الأولى لاسترجاع مصداقية المؤسسات المنتخبة.  

ـ التأسيس  لمصداقية المؤسسة التشريعية بعيدا عن تدخل المخزن: عانت هذه المؤسسات فقدان الثقة بها من طرف المواطنين، مما أفقدها مصداقيتها وباتت مثارا للسخرية والتنكيت بينهم، الأمر الذي دفع المواطنين إلى العزوف السياسي واعتبار البرلمان مصدر تبديد الأموال العامة دون طائل، فالقرارات والقوانين المصيرية لا تتم المصادقة عليها إلا بأعداد قليلة من النواب، ما اعتبره المواطنون سخرية بهم وبالوطن، لكن هذه الانتخابات ستجعل البرلمان غير البرلمان المعهود في قراراته وأنشطته وفاعليته المرتبطة بسلطتي التشريع والمراقبة، خصوصا أن الدستور أعطى للبرلمان صلاحيات وسلطا عديدا، على هذا الأساس، بات المواطنون يدركون أنهم هم من اختار أعضاء البرلمان وهم من سيحاسبهم.  

ـ  تنزيل مقتضيات الدستور التي تجعل البرلمان ممثلا للأمة والملك ممثلا للدولة، فالبرلمان هو المؤسسة الوحيدة التي ينيط بها الدستور مهمة التشريع. إن هذه الانتخابات تكتسي أهميتها ، ليس فقط من الاختيار الحر لأعضاء البرلمان ، بل وأساسا من تشكيل مؤسسة جعلها الدستور هي المسؤولة الوحيدة عن التشريع دون سواها ، وهي ممثلة الأمة، بمعنى أن البرلمان سيكون مسؤولا أمام الشعب عن كل التشريعات والقوانين التي ستحكمه. وهذا الاختصاص الدستوري يجعل البرلمان الجهة الوحيدة التي تتحمل مسئولية تشريعاتها ومدى خدمتها للمصلحة العامة وانسجامها مع تطلعات الشعب .   

ـ القطع مع الحصانة البرلمانية التي ظلت تحمي الفاسدين وتمنع عنهم كل متابعة قضائية. إن من إيجابيات الدستور الجديد تجريد البرلمانيين من الحصانة فيما لا يدخل ضمن مهامهم كبرلمانيين منتخبين . إذ لطالما ظلت العضوية في البرلمان مطلوبة لذاتها لما توفره من حماية وحصانة للبرلماني ضد كل الجرائم والجنح التي يرتكبها ؛ فيكون البرلمان مأوى للفاسدين، مما شجع على اعتماد أساليب الرشوة وشراء الأصوات والتزوير، بينما الدستور الحالي جعل من العضوية في البرلمان مسؤولية سياسية لخدمة المصلحة العام دون الشخصية، فلا حصانة، بعد اليوم للمتابعين في جرائم مالية أو مخدرات أو جنح حتى.   

ـ التعامل مع الأحزاب خارج منطق تضحياتها وتاريخيتها، نحن، إذن، أمام تأسيس شرعية ديمقراطية للأحزاب تستمدها من صناديق الاقتراع تبعا لمدى مصداقية خطابها وبرامجها الانتخابية . إذ بالقدر الذي تكون فيه الأحزاب فاعلة وقريبة من هموم المواطنين ومشاغلهم، فإنها ستكون محط ثقتهم. لقد مضى زمن الرموز التاريخية التي حولتها بعض الأحزاب إلى أصنام تحكم توجهاتها وعلاقتها بالمواطنين، بل وتتاجر بهذه الأصنام سعيا للكسب والتسلق. الجيل الصاعد لا يعرف رموزا ولا يؤمن بها ولا يساهم في صنعها. إنه يؤمن بالفاعلية البرنامجية ويقيسها بنتائجها؛ أي تصبح مصلحة المواطن هي معيار فاعلية الأحزاب ومصداقية قيادتها.   

ـ اختيار الشعب المغربي للتغيير السلمي ضمن الاستمرارية: إن التفاعل الإيجابي مع مسلسل الإصلاح بدءا من التصويت على الدستور ثم المشاركة في الانتخابات رغم دعوات المقاطعة التي كانت أطرافها تتحرك بحرية في الدعاية والتواصل مع المواطنين، يدل ــ هذا التفاعل ــ  على وعي حقيقي لدى الشعب بطبيعة النظام الملكي وقابليته للإصلاح واستعداده للانخراط في التغيير إلى جانب القوى الحية وبالتوافق معها بعيدا عن دعاوى التصادم وركوب مخاطر مغامراته .

ـ فرز حقيقي للأحزاب، إذ من أصل 31 حزبا خاضت غمار الانتخابات، ثمانية أحزاب فقط هي التي استطاعت أن تحصل على 378 مقعدا من أصل 395 مقعدا ، فيما  10 أحزاب تقاسمت في ما بينها 17 مقعدا . أما باقي الأحزاب التي شاركت في الانتخابات وعددها 13 حزبا لم تستطع الحصول على مقعد واحد . 

ــ وضع الأحزاب اليسارية أمام مسؤولية مراجعة خطابها وبرامجها وتغيير نخبها وطريقة اشتغالها. 

 

فشل دعوات المقاطعة

فشلت  دعوات المقاطعة التي راهنت على نزع الشرعية الدستورية والشعبية والقانونية عن نتائج الانتخابات وعن المؤسسة التشريعية المنبثقة منها، لكن الشعب المغربي تعامل بروح المسؤولية والمواطنة وشارك بنسبة 45,40 في المائة، وهي نسبة مقبولة ومعقولة بالنسبة إلى شعب بالكاد يسترجع ثقته في العملية السياسية انطلاقا من الإشارات التي تلقاها من ملك البلاد ونوعية الإجراءات المتخذة لضمان شفافية الانتخابات وسلامتها، وفي مقدمتها السماح للمراقبين الدوليين بتتبع العملية إلى جانب نظرائهم المغاربة . ونسبة المشاركة هذه ذات دلالة خصوصا إذا قيست بالنسبة التي عرفتها انتخابات 2007 والتي لم تتجاوز 37 في المائة. فالمغاربة تفاعلوا إيجابيا مع مسلسل الإصلاح الدستوري والسياسي الذي انخرط فيه المغرب وقرروا ألا يبقوا على الهامش أو ينساقوا وراء بعض القوى التي تريد الانقلاب بدل الإصلاح، وعلى رأسها جماعة العدل والإحسان. وهذه النسبة من التصويت تشكل بداية المصالحة مع صناديق الاقتراع، والتي تؤشر كذلك على استرجاع قدر من الثقة في العملية الانتخابية بفضل الضمانات التي يوفرها الدستور الجديد وكذا الصلاحيات الهامة التي يمنحها للبرلمان والحكومة معا، مما يعني أن المواطنين أدركوا أن تصويتهم لن يذهب هدرا.

 

 

بقلم :  سعيد الكحل 

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض