fbpx
مجتمع

مسنون…تعب في أرذل العمر

أجبرتهم الظروف على الاستمرار في العمل لتوفير لقمة العيش وأبناء تنكروا لهم

«خدم أصغري على كبري»، هي مقولة غالبا ما يراد منها استثمار مرحلة الشباب لتوفير حياة مريح مع تقدم السن، إلا أن هناك أناسا كتب عليهم العمل طيلة حياتهم من المهد إلى اللحد بسب الفاقة التي يعيشونها، بل إن منهم من لم يعد يقوى حتى على الوقوف ورغم ذلك، يصارع لأجل توفير لقمة عيش وإن على بساطتها له ولأسرته، ويرفض التسول أو استجداء الآخرين. هي حكايات لأشخاص لم بسعفهم الحظ في أن ينالوا قسطا من الراحة في حياتهم في غياب تغطية اجتماعية، وغياب دور الدولة في الاهتمام بهم

50 درهما في اليوم

“با عامر” رجل في السبعين من عمره أنهكت السنون قواه ولم يعد يقوى حتى على الوقوف. في كل يوم يتجه نحو درب عمر بالبيضاء، يبحث عن لقمة عيشه، في حمل بعض السلع سواء لأصحاب المحلات أو الزبائن وإيصالها للوجهة التي يرغبون فيها مقابل دراهم معدودة لا تزيد في حالة الكرم الحاتمي عن 20 درهما، وإذا تكررت العملية قد يصل مدخوله اليومي إلى 50 درهما، أما في أيام الأعياد والمناسبات فقد يصل المبلغ إلى 100 درهم. حكمت السنون على با عامر بأن يستمر في مصارعة الحياة والبحث عن لقمة العيش له ولابنته المعاقة، بعد وفاة زوجته، منذ أكثر من عشر سنين. كانت سنده في الحياة. يتحدث عن وفاتها بحسرة وألم شديدين فقد كانت تعمل في المنازل وتوفر مدخولا يعينهما على تحمل مصاريف ابنتهما المعاقة، وبعد وفاتها أصبح المعيل الوحيد لابنته المعاقة التي يخشى عليها كثيرا إن وفاته المنية، يقول أبا عامر إنه منذ الصغر وهو يعمل حمالا وأصبح معروفا في المنطقة وفي اليوم الذي لا يجد فيه عملا يعود إلى الغرفة التي يكتريها ويجلس إلى جانب ابنته ويرفض أن يستجدي أيا كان، فهو مؤمن كما يقول «بقضاء الله وقدره» وأن رزقه «محفوظ».

العربي: ابني تخلى عني

لا تختلف حكاية العربي عن حكاية “با عامر” كثيرا فهو ماسح أحذية بالمنطقة نفسها، يرفض الحديث مع الناس، ويعرض خدمته للراغبين، وفي عينه نظرة حزن وأسى على ما أصبح عليه، من يناديه أصدقاؤه ب»الجبلي». عمل كثيرا في جميع المهن التي تحتاج قوة بدنية رغم بنيته النحيفة، لأجل توفير لقمة العيش لزوجته وأبنائه الذين كان يضع فيهم آماله بتعويضه عن كل تلك السنين التي قضاها في العمل ليل نهار، لكنها خابت بعد أن استطاع الابن البكر أن ينهي دراسة ويحصل على وظيفة، وعوض أن يرد الجميل ويبر بوالده أدار ظهره وأسس حياته الخاصة بعيدا عن الأسرة، وهو الطريق الذي سلكته البنت كذلك فبعد زواجها قطعت صلتها بأسرتها، ولم يبق معه إلا ابن واحد بائع متجول. يرفض «الجبلي» الحديث ويتأسف عن العقوق التي قوبل بها من قبل ابنيه رغم أنه لم يطعمهما من قبل لقمة حراما، وفي غمرة عحزه يتوجه نحو المارة باحثا عن زبون أو اثنين أو أكثر لمسح أحذيتهم للحصول على دراهم ولو قليلة تعينه على العيش وزوجته المريضة.

محمد: عملي فيه بركة

بعيدا عن حكايات عقوق الأبناء وقصر ذات اليد يجلس محمد رجل طاعن في السن يحمل بين يديه سلة بها بعض حبات «الكاوكاو وحلات عباد الشمس وحلويات وبعض المناديل الورقية»، يعرضها للراغبين في شرائها. حينما تشاهد السلة على صغر حجمها يتبادر إلى الذهن ماذا سيجنيه ذلك الشيخ من تلك الأشياء وإن بيعت بأكملها، إذ لن يتعدى المبلغ في الغالب 30 درهما أو حتى 50درهما، ماذا سيبقى بعد خصم ثمن السلعة. كانت المفاجأة أكبر عندما تقدمت امرأة منه ومدته بمبلغ مالي، دون أن تشتري منه شيئا لينتفض ضدها ويرد إليها مالها، قائلا «أنا لا أطلب صدقة من أحد». أثار جوابه استغرابها فهي قدمت مساعدة ليس إلا، لكنه رفض وبإلحاح وقال لها مرة ثانية « يابنتي أنا لست متسولا وأنا أبيع هذه الأشياء وإن على بساطتها، إلا أنها تشكل قوت يومي والله يبارك لي فيها، ومادمت ما زالت قادرا على التنقل فلن أقبل من أي كان صدقة، لأن الله يجب العبد الذي يعمل ويجني قوت يومه بكده».
تشابهت الحكايات لهؤلاء المسنين الذين يصارعون من أجل توفير لقمة عيش بسيطة لأسرهم ، رغم تقدم السن بهم ، ورغم أنه من المفترض أن ينالوا قسطا من الراحة على سنين الشقاء التي عاشوها من قبل، إلا أن الحياة تأبى أن تمنحهم ذلك، في غياب أي تغطية اجتماعية لهذه الشريحة من المجتمع، التي تتسع يوما بعد يوم والدولة عاجزة عن إيجاد حل لها.
كريمة مصلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق