fbpx
وطنية

وداعا شيخ الماركسية اللينينية

رحل إلى دار البقاء، شيخ اليسار الجذري ابراهام السرفاتي، في إحدى مصحات مراكش، عن سن يناهز 84 عاما. ومن المنتظر أن يوارى جثمانه الثرى، في المقبرة اليهودية بالبيضاء.  وكان السرفاني من مؤسسي منظمة إلى الأمام، ذات التوجه الماركسي اللينيني في سنة 1970، كما عرف بأنه من منظري الحركة الماركسية اللينينية من خلال كتاباته داخل السجن وخارجه، ومن المناهضين للصهيونية في عز الصراع العربي الإسرائيلي، ما جعله يحظى بإشعاع قوي في صفوف حركة المقاومة الفلسطينية في بداية السبعينات.

مسار السرفاتي طويل وتشوبه منعرجات كثيرة، جعلت منه مثقفا عضويا للحركة الماركسية، ومهندسا في المعادن، وصحافيا وعاملا في المطبعة أثناء إصدار صحيفة الحركة الماركسية في المغرب وفي فرنسا.
يجمع، بشهادة رفاقه، بين التنظير والعمل، دائم الحركة قبل أن يقعده المرض على كرسي متحرك، جراء شلل نصفي كان يعانيه منذ صغره، قبل أن تظهر آثاره مع مرور السنين، وزاده التعذيب الذي تعرض له في درب مولاي الشريف، حتى أضحى، بعد خروجه من السجن، يتكئ على عكاز، لكن تدهور حالته الصحية في بلجيكا، وإصابته بكسور جعلت الأطباء ينصحونه بالتحرك فوق كرسي متحرك، إلا أن ذلك لم يمنع أبراهام المغربي الجنسية، اليهودي الديانة، من البقاء وفيا لنهجه الطليعي في منظمة إلى الأمام، التي كان من مؤسسيها إلى جانب أنيس بلافريج وعبد اللطيف اللعبي وعبد الحميد أمين.
رأى أبراهام السرفاتي النور سنة 1926 بالبيضاء، التي نشأ ودرس بها ليتوجه صوب فرنسا لإكمال دراسته، فيحصل على دبلوم مهندس في المدرسة الوطنية للمعادن بباريس، ثم يعود إلى المغرب، فيتفرغ للعمل السياسي في الحزب الشيوعي المغربي، ويتعرض للاعتقال مرات عديدة من لدن سلطات الحماية.
اشتغل في ديوان كاتب الدولة في الصناعة في حكومة بلافريج سنة 1958، ثم مديرا لديوان الاتحادي عبد الرحيم بوعبيد في حكومة عبد الله إبراهيم سنة 1959، وعين في سنة 1960 مديرا عاما في المكتب الشريف للفوسفاط، الذي طرد منه في سنة 1968 بسبب تضامنه مع العمال في إضرابهم، ليعمل بعد ذلك مدرسا في المدرسة المحمدية للمهندسين، كما عمل أستاذا للعلوم السياسية في جامعة سان دوني بباريس، وفي جامعة غرناطة.
كانت مرحلة الانشقاق عن حزب التحرر والاشتراكية في نهاية عقد الستينات، بداية لتوجه سياسي جديد رسمه مهندس العمل السري أبراهام السرفاتي إلى جانب شبيبة ماركسية كانت ساخطة على أحزابها، وترى في الثورة الشاملة على الطريقة البروليتارية، حلما قابلا للتحقق، وكانت النواة الأولى التي ركز عليها تنظيم «إلى الأمام»، هي الجامعة، لما بدأت حركة الإضرابات سنة 1970، وكشفت فيها السلطات منشورات إلى الأمام في الجامعات المغربية، لتبدأ مرحلة الاعتقالات التي طالت عناصر قيادية وأخرى تابعة للتنظيم، أو مقربة منه، وليحكم على السرفاتي غيابيا بالمؤبد سنة 1972، ويبقى في السرية إلى غاية 1974، ليلقى عليه القبض ويودع في معتقل مولاي الشريف.
بعدها، سيحكم على السرفاتي بالمؤبد سنة 1977، بعدما قضى أزيد من سنتين دون محاكمة صحبة عدد من رفاقه في تنظيم «إلى الأمام»، ويتابع بالمس بالأمن الداخلي للدولة، والتآمر على النظام والعمل في تنظيم سري محظور.
سيفرج عن السرفاتي سنة 1991 بموجب العفو الملكي الشامل، الذي صدر آنذاك على المعتقلين السياسيين، فينقل إلى مطار سلا عاجلا وينفى إلى فرنسا على أساس أنه برازيلي الجنسية. وكان وزير الداخلية الأسبق إدريس البصري هو من أبدع هذا السيناريو لإبعاد «شيباني» الماركسية كما كان يلقبه رفاقه في السجن، عن المغرب، خاصة أنه لم يراجع قناعاته وأفكاره، وكان خروجه من السجن بدافع من الضغط الحقوقي الدولي آنذاك. فترت علاقة السرفاتي بـ «إلى الأمام» بعد الجلسات التي جمعته بكل من المهدي قطبي وأندري أزولاي في فرنسا للتهييء لعودته للمغرب، فكانت هذه العودة دون قيد أو شرط، تعني لدى السرفاتي، قرار اعتزال السياسة إلى الأبد، خاصة أن تقديراته للوضع الذي يعيشه المغرب في العهد الجديد كانت مخالفة تماما لقراءة رفاقه في النهج الديمقراطي، إذ كان يرى أن الملكية في حاجة إلى دعم القوى الديمقراطية لإنجاح الانتقال الديمقراطي، ليستقر السرفاتي في مراكش صحبة رفيقة دربه كرستين، قبل أن يعين مستشارا في وزارة الطاقة والمعادن، ويؤكد أحد المقربين منه، أن السرفاتي لم يكن يتقاضى أجرا لقاء هذا العمل، بل ظل يحصل على أجره الذي حرم منه سابقا، مهندسا في المكتب الشريف للفوسفاط.
دعم السرفاتي تجربة الانتقال التي دشنتها هيأة الإنصاف والمصالحة، رغم أنه ظل يحتفظ لنفسه بموقف إزاحة المسؤولين عن سنوات الرصاص من مناصبهم دون أن يتعدى ذلك إلى المطالبة بمحاكمتهم كما يطالب بذلك رفاقه في النهج.
صلابة السرفاتي سياسيا كانت تقابلها هشاشة إنسانية إلى أبعد الحدود، كما يروي لـ «الصباح» مومن الشباري، عضو الكتابة الوطنية للنهج الديمقرالطي، فالشخص كان صارما إلى أبعد الحدود مع رفاقه، لكنه كان بالغ التأثر مع البعض في المواقف الإنسانية. والصمود ضد التعذيب والتشبث بحب الحياة، وعدم الاختباء وراء المناضلين، سمات طبعت شخصية السرفاتي، كما يقول صلاح الوديع، والمناضل الأممي المناهض للصهيونية والماركسي المساند للطبقة العاملة، كما يراه رفيقه عبد الحميد أمين.

رشيد باحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق