fbpx
حوادث

الاجتهاد في قضايا الإرث

ينبغي العمل على تحقيق العدل ورفع الظلم والحيف

(2/2)
بقلم: د. محمد المهدي*

إن الإرث بالتعصيب لم يفلت هو الآخر من الدعوة إلى إعادة النظر فيه، بل وإلغائه وحذفه من أنظمة التوريث، مع أن المنطق لا يستسيغ ذلك، ولا يقبل به، إذ كيف سيرث الابن مثلا إذا ما نحن ألغيناه؟، هل سنقدر له فرضا معينا يزاحم الفروض التي قدرها الله وتبنتها التشريعات، أم نحرمه من الإرث بحجة أن ليس له فرضا مقدرا ؟.
إن المشكل الحقيقي الذي ينبغي أن ينصب عليه النقاش، وتتوجه إليه الأنظار، إذا كنا فعلا نروم إنصاف المرأة وصون حقوقها، هو لماذا تكون المرأة غالبا ضحية الظلم والحيف عند توزيع التركات ؟، لماذا لا تستوفي حقوقها كما هو مسطر لها ؟، ولا يخفى ما تلعبه الأعراف المتفشية في بعض المناطق في هذا الباب، إذ لا زال الناس في ضوئها لا يؤمنون بحق المرأة في الإرث، أو يتم حرمانها منه عمدا، حرصا على بقاء الثروة تحت سلطان العائلة، أو غير ذلك من المبررات الواهية، التي لا تمت إلى دين ولا قانون، مما ينبغي التصدي له بحزم عن طريق الجزاءات القانونية الرادعة، التي تعيد الأمور إلى نصابها.
على أن ما ذكرناه، لا ينفي أن هناك بعض الحالات تنجم عن تطبيق قواعد الإرث تستحق فعلا فتح مجال التأمل والنقاش، وهي حالات ينبغي التعامل معها على خصوصيتها دون أن نتخذها مبررا لنسف نظام الإرث برمته، ولنا في سيدنا عمر بن الخطاب أسوة حسنة، كما في حالة مسألة المشتركة (الحمارية)، التي مات فيها شخص عن زوج وأم وأخوين لأم أو أكثر وإخوة أشقاء، إذ لما وزعوا التركة لم يبق للأشقاء شيء، لأنهم لا يرثون إلا بالتعصيب، فجاؤوا إلى سيدنا عمر، متسائلين كيف يمكن أن لا يرثوا والحال أنهم ينتسبون إلى الهالك من جهتي الأب والأم، في حين أن إخوتهم من جهة أمهم فقط يرثون ثلث التركة، وقالوا له: هب أن أبانا كان حمارا أو حجرا ملقى في اليم، أليست الأم تجمعنا ؟، فقضى عمر بنظره السديد بالتشريك بينهم وبين الإخوة لأم في ذلك الثلث، دون أن يقدح في نظام الإرث، ولذلك اعتبرت هذه الحالة الواقعية منذ ذلك الحين حالة شاذة.. وأيضا هناك حالة الوصية الواجبة التي اجتهدت معظم التشريعات العربية في سنها، كمخرج للحفدة الذين يموت والدهم قبل والده، فيحرمون من الإرث بسبب وجود أعمامهم، مع أنه قد يكون أبوهم هو المصدر الأساس في بناء التركة.. وهكذا.
فمثل هذه الحالات، التي كانت مجالا للاجتهاد، سواء قديما أو حديثا، أفرزها الواقع، وتم التعامل معها على حالتها، ولم تكن على الإطلاق مبررا للطعن في قواعد الإرث في كليتها، ولذلك فإن الاجتهاد في اعتقادنا ينبغي أن يسير على هذا المنوال، من منطلق نظرية:»دعوها حتى تحصل».. ولعل من الأمثلة التي تحصل اليوم حسب ما يدل عليه الواقع المعيش ويكشف عنه العمل القضائي بالمغرب، حالة ذلك الموظف البسيط مثلا الذي يظل طوال حياته يكد من أجل توفير سكن اقتصادي لزوجته وبناته، وبعد ذلك يموت، فيأتي أبناء أو أبناء أبناء إخوته، الذين قد يكونون أغنياء، ليطالبوا بحقهم في ذلك المسكن عن طريق الإرث بالتعصيب، إذ يمكنهم المطالبة قضائيا بالقسمة العقارية، والمحكمة في مثل هذه الأحوال تنتهي إلى بيع المسكن بالمزاد العلني، لتجد الأسرة نفسها في الشارع تندب حظها.
ففي هذا المثال وأضرابه مما تكشف عنه وقائع الحياة بين الفينة والأخرى، ينبغي أن يكون الاجتهاد واقفا بالمرصاد ليرصد لها الحل الذي يحقق العدل ويرفع الظلم والحيف، ويمكن للاجتهاد هنا أن يكون انتقائيا، كأن يتبنى فكرة ربط الإرث بالنفقة، أخذا بقاعدة الغرم بالغنم، كما يقول فقهاء الحنابلة، أي من يرث عليه أن ينفق، عوض تبني مذهب المالكية، الذين لا يوجبون النفقة إلا على أول الأصول وأول الفروع، مما يتبناه حاليا المشرع المغربي في مدونة الأسرة.. ويمكن أن يكون الاجتهاد إنشائيا، حسب تقدير أهل الاجتهاد، المهم أن يتم التعامل معها على أنها حالة خاصة ذات اجتهاد خاص، وهكذا يكون الصنيع كلما ظهرت حالة على أرض الواقع يضطرب فيها ميزان العدل والإنصاف، دون أن ندوس على المقدرات الشرعية المنصوص عليها في النصوص القطعية التي لا تحتمل إلا معنى واحدا، أو نطالب بإلغائها بالمرة.
وفي الختام، فإننا ندعو إلى ترشيد النقاش في هذا الموضوع، وأن لا يخوض فيه إلا من هم أهله، ولا ينبغي أن ننسى بأن المجتمع الذي نخاطبه هو مجتمع مسلم عريق، عرف منذ الفتح الإسلامي بحبه للإسلام، وتمسكه بقيمه، ودفاعه عن ثوابته، وإيمانه بأنه جزء لا يتجزأ من هويته الأصيلة التي يفخر بها ويعتز، وعنها يدافع وينافح، وقد شهدنا مواقف غير قليلة تثبت ذلك، وهو ما أكده صاحب الجلالة محمد السادس حفظه الله في خطابه التاريخي بمناسبة عيد العرش الموافق لــ 30 يوليوز 2015، حينما قال بأن الواجب الديني والوطني يتطلب من كل المغاربة الحفاظ على هويتهم الأصلية، فهل تم استيعاب كلام جلالته وفهم مغزاه، أم على قلوب أقفالها ؟.
* أستاذ القانون الخاص بالكلية متعددة التخصصات بتازة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق